المستصفى في علم الأصول- للغزالي- ط دار الكتب العلمية – – ج1 ص191

) له معنى يخالف الوقف على الأرض والابتداء بقوله يعلم سركم وجهركم وقوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ( آل عمران 7 ) من غير وقف يخالف الوقف على قوله إلا الله وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء ولذلك قد يصدق قولك الخمسة زوج وفرد أي هو اثنان وثلاثة ويصدق قولك الإنسان حيوان وجسم لأنه حيوان وجسم أيضا ولا يصدق قولك الإنسان حيوان وجسم ولا قولك الخمسة زوج وفرد لأن الإنسان ليس بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا وفرد أيضا وذلك لأن الواو يحتمل جمع الأجزاء وجمع الصفات وكذلك تقول زيد طبيب بصير يصدق وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة فيتردد البصير بين أن يراد به البصير في الطب أو يراد وصف زائد في نفسه فهذه أمثلة مواضع الإحمال وقد تم القول في المجمل وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده
القول في البيان والمبين إعلم أنه جرت عادة الأصوليين برسم كتاب في البيان وليس النظر فيه مما يستوجب أن يسمى كتابا فالخطب فيه يسير والأمر فيه قريب ورأيت أولى المواضع به أن يذكر عقيب المجمل فإنه المفتقر إلى البيان والنظر فيه حد البيان وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره وفي طريق ثبوته فهذه أربعة أمور نرسم في كل واحد منها مسألة مسألة في حد البيان إعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام وإنما يحصل الإعلام بدليل والدليل محصل للعلم فهاهنا ثلاثة أمور إعلام ودليل به الإعلام وعلم يحصل من الدليل
فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في حده أنه إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة أعني الأمور التي ليست ضرورية وهو الدليل فقال في حده أنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه وهو اختيار القاضي ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبين الشيء فكأن البيان عنده والتبيين واحد ولا حجر في إطلاق إسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي إذ يقال لمن دل غيره على الشيء بينه له وهذا بيان منك لكنه لم يتبين وقال تعالى هذا بيان للناس ( آل عمران 138 ) وأراد به القرآن وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح فهي بيان في حق من تقدمت معرفته بوجه المواضعة وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز إذا لكل دليل ومبين ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول فيقال له بيان حسن أي كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد
وإعلم أنه ليس من شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه وليس من شرطه أن يكون بيانا لمشكل لأن النصوص المعربة

اكتب تعليقًا