البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص4

وساروا على لاحب نارهم، فحرروا وقرروا، وصوروا، فجزاهم الله خير الجزاء، ومنحهم بكل مسرة وهناء. ثم جاءت أخرى من المتأخرين، فحجروا ما كان واسعا، وأبعدوا ما كان شاسعا، واقتصروا على بعض رءوس المسائل، وكثروا من الشبه والدلائل، واقتصروا على نقل مذاهب المخالفين من الفرق، وتركوا أقوال من لهذا الفن أصل، وإلى حقيقته وصل، فكاد يعود أمره إلى الأول، وتذهب عنه بهجة المعول، فيقولون: خلافا لأبي هاشم، أو وفاقا للجبائي، وتكون للشافعي منصوصة، وبين أصحابه بالاعتناء مخصوصة، وفاتهم من كلام السابقين عبارات رائقة، وتقريرات فائقة، ونقول غريبة، ومباحث عجيبة.
[منهج المؤلف ومصادره] وقد اجتمع عندي بحمد الله من مصنفات الأقدمين في هذا الفن ما يربو على المئين، وما برحت لي همة تهم في جمع أشتات كلماتهم وتجول، ومن دونها عوائق الحال تحول، إلى أن من الله سبحانه بنيل المراد، وأمد بلطفه بكثير من المواد، فمخضت زبد كتب القدماء، ووردت شرائع المتأخرين من العلماء، وجمعت ما انتهى إلي من أقوالهم، ونسجت على منوالهم، وفتحت منه ما كان مقفلا، وفصلت ما كان مجملا، بعبارة تستعذب، وإشارة لا تستصعب.
وزدت في هذا الفن من المسائل ما ينيف على الألوف، وولدت من الغرائب غير المألوف، ورددت كل فرع إلى أصله وشكل قد حيل بينه وبين شكله، وأتيت فيه بما لم أسبق إليه، وجمعت شوارده المتفرقات عليه بما يقضى منه العجب، وإن الله يهب لعباده ما يشاء أن يهب، وأنظم فيه بحمد الله ما لم ينتظم قبله في سلك، ولا حصل لمالك في ملك، وكان من المهم تحرير مذهب الشافعي وخلاف أصحابه وكذلك سائر المخالفين من أرباب المذاهب المتبوعة.
ولقد رأيت في كتب المتأخرين الخلل في ذلك، والزلل في كثير من التقريرات والمسالك، فأتيت البيوت من أبوابها، وشافهت كل مسألة من كتابها، وربما أسوقها بعباراتهم لاشتمالها على فوائد، وتنبيها على خلل ناقل وما تضمنته من المآخذ والمقاصد.
فمن كتب الإمام الشافعي رضي الله عنه الرسالة، و اختلاف الحديث وأحكام القرآن، ومواضع متفرقة من الأم وشرح الرسالة للصيرفي وللقفال الشاشي وللجويني ولأبي الوليد النيسابوري وكتاب القياس للمزني. وكتاب الرد على داود في إنكاره القياس لابن سريج، وكتاب الإعذار والإنذار له أيضا، وكتاب الدلائل والأعلام للصيرفي،

اكتب تعليقًا