البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص8

فصل: في بيان شرف علم الأصول
اعلم أن العلوم ثلاثة أصناف:
الأول : عقلي محض، كالحساب والهندسة.
والثاني : لغوي، كعلم اللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض.
والثالث : الشرعي وهو علم القرآن والسنة، ولا شك أنه أشرف الأصناف، ثم أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح معرفة الأحكام العملية، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح بها الصدر، لعدم أخذه بالدليل، وشتان بين من يأتي بالعبادة تقليدا لإمامه بمعقوله وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وأدرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره. قال إمام الحرمين في كتاب المدارك وهو من أنفس كتبه: والوجه لكل متصد للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف جمام الذهن في وضع الوقائع مع العلم بأنها لا تنحصر مع الذهول عن الأصول. وقال الغزالي في “المستصفى”1: خير العلم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع علم الفقه، وأصول الفقه من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو العقل والشرع سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف علم أصول الفقه ورفعته وفر الله دواعي الخلق على طلبته، وكان العلماء به أرفع مكانا، وأجلهم شأنا، وأكثرهم أتباعا وأعوانا. وقال أبو بكر القفال الشاشي في كتابه الأصول: اعلم أن النص على حكم كل حادثة عينا معدوم، وأن للأحكام أصولا وفروعا، وأن الفروع لا تدرك إلا بأصولها، وأن النتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، فحق أن يبدأ بالإبانة عن الأصول لتكون سببا إلى معرفة الفروع.
ثم اختلف في نسبة الأصول إلى الفقه، فقيل: علم الأصول بمجرده كالميلق
ـــــــ
1 انظر المستصفى ص “4”.

اكتب تعليقًا