وقال أئمة الحقيقة: العلم بالله إن كان بالأدلة فهو علم اليقين، فإذا قوي فهو عين اليقين، فإذا فني فيه فهو حق اليقين. ويقال: علم اليقين كالناظر إلى البحر، وعين اليقين كراكب البحر، وحق اليقين كمن غرق في البحر. ا هـ.
وقد أورد على القائلين بعدم التفاوت أنه يكون علم الأمم مماثلا لعلوم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ولا شك أن علمهم مفاوت لعلمنا وكذلك رجحان بعض المؤمنين على بعضهم في المعارف.
وأجيب بوجهين:
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على صفة للباري تعالى لم يطلع عليها غيره، فيكون ذلك راجعا إلى زيادة علم بمعلوم آخر، وليس ذلك تفاوتا في العلم.
الثاني : يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم علم ربه بوجوه أدلة لم نطلع نحن على جميعها، فيرجع التفاوت إلى أعداد المعلوم، لا إلى نفس العلم.
وأما رجحان المؤمنين بعضهم على بعض فمحمول على زيادة المعارف وتواليها إذا حصلت بلا فترة، ولا غفلة ثم إذا ظهر التفاوت بهذا الاعتبار تفاوت العارفون باعتبار قلة الغفلة وكثرتها، وقلة المعارف وكثرتها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: “لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا” 1 فهذا إشارة إلى كثرة المعلومات لا إلى التفاوت في العلم الواحد بالمعلوم الواحد. ولو كانت الإشارة إلى هذا لقال: لو تعلمون كما أعلم فهذه عبارة التفاوت في نفس العلم، وقال أيضا في التفاوت باعتبار اعتراض الغفلات قلة وكثرة: “لو تكونون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة”2 مشيرا إلى أن الغفلة تختلسهم في غيبتهم عنه وتتحاماهم بحضرته تلك الحضرة المقدسة صلوات الله على صاحبها وسلامه.
فإن قيل: إذا تعذر التفاوت في ذوات العلوم، فلم لا أضيف التفاوت إلى طرقها؟ فمنها البديهي، ومنها النظري.
قلنا: إذا حققت الحقائق فكل علم نظري يتوقف على علم بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص.
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، حديث “6613”. ورواه مسلم “1/9” كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، حديث “901”.
2 رواه مسلم “4/2106” كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر في أمور الآخرة، حديث “2750” عن حنظلة الأسدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” ثلاث مرات.