البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص47

وتحصل لنا مذاهب:
أحدها : أن العلوم كلها ضرورية تصورها وتصديقها، وليس هذا قولا بإنكار النظر بالكلية، بل بمعنى أن النظر إذا تم وقع العلم عقبه ضرورة لا مقدورا.
الثاني : كلها كسبية.
الثالث : وهو الصحيح، بعضها ضروري، وبعضها كسبي.
الرابع : المتعلق بذات الله وبالاعتقادات الصحيحة ضروري، وغيره لا يمتنع أن يكون كسبيا، ويرد عليه أن العبد مأمور بمعرفة الله مثاب عليها، وذلك إنما يكون فيما يدخل تحت قدرته وفعله.
الخامس : التصورات ضرورية، والتصديقات منقسمة، وإليه ذهب الإمام في المحصل، ويرد عليه ما أورد على الذي قبله، ولعله يقول: إن المعرفة ضرورية، والمأمور به العلم بالوحدانية.
واتفقت الأشاعرة على أن ما كان نظريا يجوز أن يقع ضروريا؛ لأنه ليس فيه إلا خلق المقدور بدون القدرة، ولا امتناع منه؛ لأن قدرة العبد غير مؤثرة عندنا. قال الأستاذ أبو منصور: وهذا الإجماع من طريق الإمكان، وأما طريق الوجود فقد أجمع أصحابنا اليوم على أن معرفة الله في الدنيا مكتسبة لا تقع إلا عن نظر واستدلال، وإنما تقع في الآخرة ضرورية.
واختلفوا هل يقع مقدورا مكتسبا من غير نظر؟. فاختاره الأستاذ أبو إسحاق ومنعه الجمهور. وهل يجوز أن يقع الضروري نظريا؟. فيه ثلاثة أقوال: الجواز والمنع. والصحيح عند إمام الحرمين أن ما كان من العلوم الضرورية لا يتم العقل إلا به يمتنع أن يقع نظريا، وما ليس كذلك يجوز.
وطرق العلم على المشهور منحصرة في ثلاثة: عقل وسمع وحس، وعنوا بالحس علوم الإدراكات والعادات، واضطربوا في علوم الإلهام والتوسم والمحادثة. قال الغزالي: لعلهم عنوا بالإلهام أن العلوم كلها ضرورية مخترعة لله تعالى ابتداء، وقال القفال الشاشي: ينحصر في الحس والاستدلال.
قال: والسمع داخل في جملة علوم الحس؛ لأن المسموع محسوس، ثم معرفة حقيقة صوابه وخطئه تدرك بالاستدلال. ونقل عن بعض الأوائل حصرها في الحس.
قال ابن القشيري: وهو غلط في النقل عنهم بل مذهبهم أن المعلوم ما يتشكل في الحواس، وما لا يتشكل، ويفضي إليه نظر العقل، فهو معقول، فاصطلحوا على

اكتب تعليقًا