مسألة [الاختلاف في المحسات]
اختلفوا في المحسات، فقيل: كلها في درجة واحدة، وقيل: السمع والبصر مقدمان. ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من قدم البصر على السمع، لتعلقه بجميع الموجودات. ومنهم من سوى بينهما، ومنهم من قدم السمع؛ لأنه لا يحتاج إلى الأشعة المتعرضة للتعريجات والحركات؛ ولأن السمع لا يختص دركه بجهة بخلاف البصر، واختار ابن قتيبة هذا، وقال: قدم الله السمع على البصر، فقال: {أفأنت تسمع الصم} [يونس: 42] ثم قال: {ومنهم من ينظر إليك} [يونس: 43] وقال: إن الله لم يبعث أصم، ومن الأنبياء عميانا. وقال أئمتنا: وهذا فضول منه.
واختلفوا أيضا فقدم أبو الحسن ما يدرك بالحواس على ما يدرك بنظر العقل، وقدم القلانسي ما يعلم بالنظر على ما يعلم بالمحسات؛ لأن تعرض الحواس للآفات أكثر من تعرض العقل لها.
قال ابن القشيري: وكل هذا تكثير الجوز بالعفن. وقد اخترنا أن العلوم ضرورية لا تقديم ولا تأخير. نعم قد يطول الطريق ويقصر فيترتب الأمر لذلك، وأما العلوم في أنفسها فلا ترتب فيها.