وكلام الراغب يوافقه، فإنه قال: هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عنده في النقيض أو لعدم الأمارة فيهما. والشك ربما كان في الشيء هل هو موجود أو لا؟ وربما كان في جنسه أي: أي جنس هو؟ وربما كان في بعض صفاته، وربما كان في الغرض الذي لأجله وجد.
والشك ضرب من الجهل، وهو أخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيض أصلا، فكل شك جهل، وليس كل جهل شكا. قال تعالى: {وإنهم لفي شك منه مريب} [هود: 110].
وأصله: إما من شككت الشيء أي خرقته، فكان الشك الخرق في الشيء وكونه بحيث لا يجد الرائي مستقرا يثبت فيه ويعتمد عليه، ويصح أن يكون مستعارا من الشك، وهو لصوق العضد بالجنب وذلك أن يتلاصق النقيضان. فلا يدخل الفهم والرأي لتخلله بينهما، ولهذا يقولان: التبس الأمر واختلط وأشكل ونحوه من الاستعارات وقال الغزالي: في الإحياء في الباب الثاني في مراتب الشبهات: الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين.
وقال في الباب الثالث في البحث والسؤال: إنه عبارة عن اعتقادين متقابلين لهما سببان متقابلان. وأكثر الفقهاء لا يدرون الفرق بين ما لا يدرى وبين ما لا يشك فيه. وقال قبل ذلك: إذا دخلت بلدا غريبا، ودخلت سوقا، ووجدت قصابا أو خبازا أو غيره ولا علامة تدل على كونه مريبا أو خائنا، ولا ما لا يدل على نفيه، فهذا مجهول لا يدرى حاله، ولا نقول: إنه مشكوك فيه.
وقال في الباب الثاني: لو سئل الإنسان عن صلاة الظهر التي أداها قبل هذا بعدة سنين كانت أربعا أو ثلاثا؟ لم يتحقق قطعا أنها أربع، وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثا، وهذا التجويز لا يكون شكا إذا لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونه ثلاثا، فليفهم حقيقة الشك حتى لا يشتبه بالوهم والتجويز بغير سبب.