وقياس من فسر العقل بالعلم أنه يجري فيه الخلاف السابق في تفاوت العلوم.
والتحقيق: أنه إن أريد الغريزي فلا يتفاوت، أو التجريبي فلا شك في تفاوته، وإليه يميل كلام ابن سراقة حيث قال: هو على ضربين: منه مخلوق في الإنسان، ومنه يزداد بالتجربة والاعتبار، ويزيد وينقص، كالعلم والإرادة والشهوة ونحوها من أفعال القلوب، ولهذا يقال: فلان وافر العقل وفلان ناقص العقل.
الثاني : اختلفوا في محله: فقيل لا يعرف محله، وليس بشيء، وعلى المشهور فيه ثلاثة أقوال، وعند أصحابنا كما نقله ابن الصباغ وغيره أنه القلب؛ لأنه محل لسائر العلوم.
وقالت الفلاسفة والحنفية : الدماغ، والأول: منقول عن أحمد والشافعي ومالك، والثاني: منقول عن أبي حنيفة حكاه الباجي عنه، ورواه ابن شاهين عن أحمد بن حنبل أيضا. والثالث: أنه مشترك بين الرأس والقلب.
وقال الأشعري: لك حاسة منه نصيب، وهذا يصلح أن يكون قولا رابعا.
وذكر إمام الحرمين في النهاية في باب أسنان إبل الخطأ: أنه لم يتعين للشافعي محله: وهذا يصلح أن يكون قولا خامسا.
وقيل: الصدر، ولعل قائله أراد القلب، وقيل: هو معنى يضيء في القلب، وسلطانه في الدماغ؛ لأن أكثر الحواس في الرأس. ولهذا قد يذهب بالضرب على الدماغ. حكاه ابن سراقة.
قال: وقال آخرون من أصحابنا: هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين.
ونبه الماوردي في أدب الدين والدنيا على فائدتين:
إحداهما : أن الخلاف في الغريزي. أما التجريبي فمحله القلب قطعا.
الثانية : أن هذا الخلاف مفرع على القول بأنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات، وأن من نفى كونه جوهرا أثبت أن محله القلب.
وقال العبدري في شرح المستصفى: الخلاف في أن العقل محله ماذا؟ مما يلتبس على كثير. فإنهم إن عنوا به القوة الناطقة على ما يظهر من كلامهم فخطأ؛ لأنه ليست لها آلة ولا هي منسوبة إلى عضو من الأعضاء، وإنما الذي، ينبغي أن يقع الخلاف فيه. هل هي القوة المفكرة التي تنسب إلى الدماغ؟.