البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص100

من باب التكليف لاستحالة التكليف بفعل الغير بل معناه أن فعل الغير سبب لثبوت هذا الحق في ذمتهم.
الثالث : أن الوضعي خاص بما رتب الحكم فيه على وصف، أو حكمة، إن جوزنا التعليل بها، فلا يجري في الأحكام المرسلة الغير المضافة إلى الأوصاف، ولا في الأحكام التعبدية التي لا يعقل معناها. ولهذا لو أحرم، ثم جن، ثم قتل صيدا لا يجب الجزاء في ماله على الأصح.
ووجهه ابن الصباغ والرافعي بأن الصيد على الإباحة وإنما يمنع من قتله تعبدا، فلا يجب إلا على مكلف.
قلت: وبه يظهر فساد قول من ظن أنه من باب خطاب الوضع، وقال: الأرجح فيه الضمان وقال النووي في شرح المهذب: إنه الأقيس، وليس كما قال.
الرابع : أن خطاب التكليف هو الأصل، وخطاب الوضع على خلافه. فالأصل أن يقول الشارع: أوجبت عليكم، أو حرمت، وأما جعله الزنى والسرقة علما على الرجم والقطع، فبخلاف الأصل. نعم خطاب الوضع يستلزم خطاب اللفظ؛ لأنه إنما يعلم به كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} الآية [الإسراء: 78]. ونحوه من الخطابات اللفظية المفيدة للأحكام الوضعية بخلاف خطاب اللفظ، فإنه لا يستلزم خطاب الوضع، كما لو قال: لا يتوضأ إلا من حدث، فإن هذا خطاب لفظي يعقل تجرده عن سبب وضع أو غيره.
ويعلم مما ذكرناه أنه يقدم الحكم التكليفي على الوضعي عند التعارض؛ لأنه الأصل، ومنهم من يقدم الوضعي؛ لأنه لا يتوقف على فهم وتمكن. حكاه الآمدي في باب التراجيح.
الخامس : أن الوضعي لا يشترط فيه قدرة المكلف عليه، ولا علمه، فيورث بالسبب، ويطلق بالضرر، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين ولو أتلف النائم شيئا أو رمى إلى صيد في ملكه فأصاب إنسانا ضمنه، وإن لم يعلما. وتحل المرأة بعقد وليها عليها، وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت لا تعلم.
ويستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة أمران:
أحدهما : أسباب العقوبات كالقصاص لا يجب على المخطئ في القتل، لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب في الشبهة، لعدم العلم، ولا من أكره على الزنى، لعدم القدرة على الامتناع.

اكتب تعليقًا