البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص105

قالوا: وإنما حسن ورود الشرع به للغرض المقصود منه، وخالفهم أبو هاشم، وزعم أنه لولا ورود الشرع بذلك لم يكن معلوما جواز حسنه.
ثم اختلفوا في صفة الخاطر، فقال النظام: هو جسم محسوس وأن الله تعالى يفعل خاطرا لطاعة، وخاطرا لمعصية في قلب العاقل فيدعوه بأحد الخاطرين إلى طاعته؛ ليفعلها، ويدعوه بالآخر ليتركها.
وقال الجبائي: يدخل الشيطان في خرق أذن الإنسان إلى موضع سنه أو قلبه فيهمس ويتكلم بما يدعو إليه. قال: فالخاطر الذي من قبل الله كالعلم ونحوه.
وقال ابنه أبو هاشم: هو قول خفي يلقيه الله في قلبه كالأمر بالمعروف، وكذلك الخاطر الذي يلقيه الشيطان في قلب العاقل، ولا معنى للاشتغال بهذه الترهات.
قال: وذهب أهل الحق إلى أن طريق العلم بوجوب النظر في العقليات والسمعيات، السمع دون العقل، وإنما يعلم بالعقل صحة ما يصح كونه، ووجوب وجود ما يجب وجوده، واستحالة كون ما يستحيل كونه، وصحة ما يصح ورود الشرع به جوازا بكل ما ورد الشرع به من واجب ومحظور، ومباح ومكروه ومسنون. فقد كان في العقل جواز ورود الشرع على الوجه الذي ورد به، وكان فيه أيضا جواز ورود الشرع بتحريم ما أوجبه وإيجاب ما حرمه، ولم يكن فيه دلالة على وجوب فعل، ولا على تحريمه قبل ورود الشرع.
وقالوا أيضا: لو توهمنا خلق العاقل قبل ورود السمع عليه، واستدل ذلك العاقل على معرفة الله، ووصل إليها لم يستحق بذلك ثوابا، ولو جحده به وكونه لم يستحق عقابا، ولو عذبه الله أبدا في النار لكان عدلا. وإنما كان كإيلام الطفل في الدنيا، والعقاب لا يستحقه إلا من تعلق به الأمر والنهي خطابا أو بواسطة الرسالة ثم عصاه.
هذا قول شيخنا أبي الحسن الأشعري، وبه قال أكثر الأئمة كمالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وكل من لم يتمعزل من أصحاب الرأي، وقال في كتاب التحصيل: إنه مذهب الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأصحاب الحديث.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه: مذهب أصحاب الحديث عامة: إنه لا تجب معرفة الله قبل السمع، وذهبت المعتزلة إلى أنه يجب عليه ذلك قبل ورود السمع، وقبل ورود الدعوة، وإلا فهو مرتد كافر. ولهذا قلنا: إن من قتل ممن تبلغه

اكتب تعليقًا