الشرع بالثناء على فاعله وكذا القبيح. وقال في كتابه في أصول الفقه: معنى قول المعتزلة: إنه يقبح كذا أو يحسن كذا عقلا أنه يدرك ذلك منهما من غير إخبار مخبر.
وقال ابن السمعاني في القواطع: الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعي أن التكليف مختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظر ولا إباحة، ولا يعرف شيء من ذلك حتى يرد السمع فيه، وإنما العقل آلة تدرك بها الأشياء، فيدرك به حسن وقبح بعد أن ثبت ذلك بالسمع.
وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة كثيرة، وهم الذين امتازوا عن متكلمي المعتزلة، وذهب إليه جماعة من الحنفية. وذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن للعقل مدخلا في التكليف؛ لأن الحسن والقبيح ضربان: ضرب علم بالعقل، وضرب علم بالسمع. فأما المعلوم حسنه بالعقل فهو العدل، والإنصاف، والصدق وشكر المنعم، وغير ذلك، وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو الصلاة والصيام، والزكاة والحج ونحوه، وأما المعلوم قبحه بالشرع فكالزنى وشرب الخمر ونحوه.
قالوا: وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته، وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد العقل قبل ورود السمع به ودعاء الشرع إليه، وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم، وذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشي وأبو بكر الصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وغيرهم، والحليمي من المتأخرين، وذهب إليه كثير من أصحاب أبي حنيفة خصوصا العراقيين منهم.
واستدلوا بأن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم. فقال: {لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] وقال: {لأولي النهى} [طه: 54] وقال: {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] {لقوم يعقلون} [البقرة: 264] {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل} [الملك: 10].
قال: والصحيح: هو الأول وإياه نختار ونزعم أنه شعار السنة. ودليله قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ولم يقل حتى نركب عقولا. وقال حكاية عن الملائكة في خطاباتهم مع أهل النار {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] وقال تعالى: {ألم يأتكم نذير} [الملك: 8] فدل على أن الحجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل. وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] فدل على أنه لا حجة بمجرد العقل بحال.