البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص110

الرابع : قال: وهو المختار عندنا أن على العبد بمجرد العقل الإيمان بالله، واعتقاد وجوب الطاعة على نفسه من أمر ونهي، لكنه تقف نفسه للبدار إلى ما يأمر به وينهاه من غير أن يقدم على شيء بالاستباحة تعظيما لله، لا لقبح هذه المشروعات قبل الأمر بل يمنع العقل معرفة حسنها.
قال: وهو مذهب علمائنا، ولهذا كان بعث الرسل على الله حقا واجبا ليمكنهم الإقدام على العبادة، والتوقف للطاعة ضرب عناد فإنها تمثيل العقل فكان يلزم ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد أنه مخلوق للعبادة المطلقة، وأنها مجملة وأن الله يبين ذلك. والحاصل أن الحنفية يقولون: يجب اعتقاد كونه مأمورا، وأما الإقدام على الفعل والترك فلا يأتي به إلا بعد الشرع، ويظن كثير من الناس أن مذهب أبي حنيفة كمذهب المعتزلة وينصب الخلاف بينهم وبين الأشعرية، لقول أبي حنيفة: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه. وقوله: لو لم يبعث الله رسولا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم. لكن هذا الكلام قد فسره أبو عبد الله أحمد بن محمد الصابوني وهو العمدة عندهم.
قال: ليس تفسير وجوب الإيمان بالعقل أن يستحق العقاب بالعقل والثواب بالعقل، إذ هما لا يعرفان إلا بالسمع لكن تفسيره عندنا نوع ترجيح. ا هـ. والأحسن في معناه الطريقة الأولى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تنزيل ثالث في إيضاح آخر.
وقال بعض محققي الحنفية: عندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى، ولا يقال: إن هذا مذهب الأشاعرة؛ لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد الشرع،
وعندنا قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى علما ضروريا بهما إما بلا كسب، كحسن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب، كالحسن والقبح المستفاد من الأدلة، وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالكتاب والنبي كأكثر أحكام الشرع.
وحاصله: أن حسن المأمور به عندنا من مدلولات الأمر، وعند الأشعري من موجباته.
واعلم أن كلام ابن برهان في موضع آخر يقتضي أن القائلين بالحسن والقبح قالوا: إن العقل موجب وحاكم، وتبعه الآمدي وغيره. ويصير مطلع الخلاف يرجع إلى أن الشرع مثبت أو مقرر؟
وأما الإمام فخر الدين وأتباعه فسلكوا طريقا لخصوا فيها محل النزاع، فقالوا:

اكتب تعليقًا