البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص111

الحسن والقبح يطلقان بمعان ثلاثة:
أحدها : ما يلائم الطبع وينافره، كالحلاوة، والمرارة، والفرح والحزن، وليس هذا محل النزاع لاختلافه باختلاف الأغراض.
الثاني : كون الشيء صفة كمال أو نقص كالعلم والجهل، وهما بهذين المعنيين عقليان. أي: يعرفان بالعقل بلا خلاف.
الثالث : كون الفعل موجبا للثواب، والعقاب والمدح والذم، وهذا موضع النزاع، فعندنا لا يعلم إلا بالشرع وعندهم بخلافه، فالنزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا.
وقضية هذا أن الفعل لا يوجبه لتصريحه بالتعلق، ونازعه القرافي، فقال: النزاع في كون الفعل متعلقا للذم أو العقاب يشعر بأن ترتب الذم والعقاب على الفعل ينازع فيه، وليس كذلك عندنا ولا عندهم، إذ يجوز أن يحرم الله تعالى ويوجب ولا يعجل ذما بل يحصل الوعيد من غير ذم، ويجوز أن يكلف ولا يوجد عقابا بل يعجله عقب الذنب، وإنما النزاع في كون الفعل متعلقا بالمؤاخذة الشرعية كيف كانت ذما أو غيره عاجلة أو آجلة هل يستقل العقل بذلك أم لا؟
قلت: وجعل المقترح في شرح الإرشاد من صور محل النزاع ما يتعارف قبل الشرع من الميل إلى الفعل والنفرة عنه.
قال: فالمعتزلة يدعون أن ذلك استحثاث العقل على الفعل، ونحن نرى أنه مما جبل عليه الحيوان من شهوة ما ينفعه وكراهة ما يضره. ا هـ. وهذا صريح في نقل الخلاف في الحالة الثانية التي جعلها الإمام محل وفاق. ثم قال: فرعت المعتزلة أن العقل مما يستحث على الفعل؛ لأنه على صفة في نفسه لأجلها يحث على فعله، ثم اضطربوا في هذه الصفة، فقال قدماؤهم: صفة نفسية وقال متأخروهم: تابعة للحدوث. ثم قالوا: إنما نهى الشرع عن الفعل؛ لأنه على صفة في نفسه لأجلها يقبح، أو؛ لأنه يؤدى فيقبح في نفسه.
قال: وأصل هذه المسألة أخذتها المعتزلة من الفلاسفة فإنهم قالوا: العلم محمود لذاته، والجهل مذموم لذاته، وسائر الأفعال ليست عندهم محمودة لذاتها، ولا مذمومة لذاتها بل لعروض عرض بالنسبة إليها، فأخذ المعتزلة بهذا المذهب في العلم والجهل، وعدوه إلى سائر الأفعال.

اكتب تعليقًا