البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص112

وعبر بعض الناس عن مذهب القوم بأن قال: عندهم أنه يدرك الحسن والقبح عقلا من غير أن يتوقف على إخبار على مخبر وليس في هذا إفصاح عن أنهم يردونه إلى صفة نفسية أو صفة تابعة للحدوث أو غير ذلك.
ويقال لمن قال: إنها صفة نفسية: صفة النفس ما يتبع النفس في الوجود والعدم، ويلزم منه إثبات الحسن والقبيح في القديم. ثم يلزم منه استحقاق الذم على المعدوم وذلك محال. ثم قسموا الأفعال إلى قسمين، وقالوا: منها ما يدرك بالعقل، ومنها ما لا يدرك بالعقل فيه حسنا ولا قبحا، وإنما يعرف بالشرع، وذلك لخفاء وصفه عن العقول، وليس هو ثابتا بالخطاب وإنما الشرع كاشف عن حقيقته لما قصر العقل عنه.
قال في تعليقه على البرهان: ولكل مذهب سيئة وحسنة، فمذهب الأشعرية أنهم نفوا الحسن في حق الله تعالى وفي حقنا، فحسنتهم كونهم نفوه في حق الله تعالى وسيئتهم كونهم نفوه في حقنا، ومذهب المعتزلة إثبات الحسن في حق الله وفي حقوقنا، وسيئتهم كونهم أثبتوه في حق الباري، وحسنتهم كونهم أثبتوه في حقنا.
فاختار إمام الحرمين مذهبا بين مذهبين وهو الجامع لمحاسن المذاهب، فأثبته في حقنا ونفاه في حق الباري. انتهى.
تنبيه: [العقل عند المعتزلة يوجب ويحرم] ظاهر النقل السابق عنهم أن العقل يوجب ويحرم على جهة الاستقلال واستدلالهم بالآية {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] يقتضيه. يقتضيه.
والتحقيق في ذلك عن المعتزلة: أن الفعل إن اشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة اقتضى العقل أن الله تعالى طلبه، وإن اشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة اقتضى العقل أن الله تعالى طلب تركه، وإن تكافأت مصلحة الفعل ومفسدته أو تجرد عنهما أصلا كان مباحا وليس حكما شرعيا عندهم، لثبوته قبل ورود الشرع، وأن العقل أدرك أن الله تعالى يجب له بحكمته البالغة أن لا يدع مصلحة في وقت ما إلا أوجبها وأثاب عليها، ولا يدع مفسدة في وقت ما إلا حرمها، وعاقب عليها تحقيقا لكونه حكيما، وإلا لفاتت الحكمة في جانب الربوبية.
فعندهم إدراك العقل لما ذكرنا من قبل الواجبات للعقل لا من قبل الجائزات كما نقول. وليس مرادهم أن الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أن العقل يوجب ويحرم،

اكتب تعليقًا