البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص113

وهذا هو الحق في تقرير مذهبهم وتلخيص النزاع، وهو المفهوم من كلام الصيرفي السابق وحاصل كلام القرافي أيضا.
والأصوليون الناقلون لهذه المسألة قد أحالوا المعنى، ونقلوا عن المعتزلة ما لا ينبغي لقائل أن يقوله.
إيضاح آخر: [الثواب والعقاب لا يعلمان إلا من جهة الشرع]:
قد تقرر مما سبق أن محل النزاع إنما هو في الحسن والقبح بمعنى ترتب الثواب والعقاب. فنقول: بين الحسن والقبح وبين الثواب والعقاب تلازم ما.
واتفق المعتزلي مع السني على أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها قبل ورود الشرع، وافترقا في أن المعتزلي يرى أن الثواب والعقاب ملازم لها فحكم بثبوت الثواب والعقاب قبل الشرع، لثبوت الحسن والقبح قبله، فإذا جاء الشرع بعد ذلك كان مؤكدا لحكم العقل.
وأما السني فإنه يرى أن الثواب والعقاب لا يعلمان إلا من جهة الشرع. فنفى الحسن والقبح قبل الشرع، وهذا ونحوه من قاعدة أن ما به الاتفاق قد يكون موضع الخلاف، ونظيره الخلاف في النسخ والبداء.
وبهذا التحرير يخرج لنا في المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها : أن حسن الأشياء وقبحها والثواب والعقاب عليها شرعيان، وهو قول الأشعرية.
والثاني : عقليان وهو قول المعتزلة.
والثالث : أن حسنها وقبحها ثابت بالعقل، والثواب والعقاب يتوقف على الشرع، فنسميه قبل الشرع حسنا وقبيحا، ولا يترتب عليه الثواب والعقاب إلا بعد ورود الشرع، وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من أصحابنا، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا. وهو المنصور، لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض وإليه إشارات محققي متأخري الأصوليين والكلاميين، فليتفطن له.
فهاهنا أمران:
أحدهما : إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها.
والثاني : أن ذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد شرع، ولا تلازم بين الأمرين

اكتب تعليقًا