البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص114

بدليل {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 132] أي بقبيح فعلهم {وأهلها غافلون} [الأنعام: 131] أي: لم يأتهم الرسل والشرائع، ومثلها {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم} [القصص: 47] أي: من القبائح {فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} [الإسراء: 15] الآية.
وأما الآيات التي احتج بها القائلون بأنه شرعي إنما تدل على نفي الثواب والعقاب بقوله {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] فأخبرنا بأنه لا يعذب قبل البعثة، وقال تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] فلو كان له الحجة عليهم قبل البعثة لما قال: إنما أبعث الرسل لأقطع بها حجة المحتج.
إذا تلخص محل النزاع فله مآخذ:
أحدها : أن الحسن عندهم صفة قامت به أوجبت كونه حسنا، والقبح صفة قامت به أوجبت كونه قبيحا حملا للأفعال على الأجسام. فإن الحسن صفة قائمة بها وكذلك القبح. وعندنا الحسن والقبح إنما هو صفة نسبية إضافية حاصلة بين الفعل واقتضاء الشرع إيجاده أو الكف عنه. فإذا قال الشارع: صل. قلنا: الصلاة حسنة، وإذا قال: لا تزن: قلنا: الزنى قبيح، وما ذكروه من أن الحسن والقبح صفتان للفعل باطل؛ لأن الصفات أعراض والفعل عرض والعرض لا يقوم بالعرض؛ لأنه لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بالجواهر. فكيف يقوم به غيره؟.
الثاني : أن الشرع ورد عندهم مقررا لحكم العقل ومؤكدا له. وعندنا ورد الشرع كاسمه شارعا للأحكام ابتداء.
وتحقيق ذلك: أن العقل احتيج إليه قبل الشرع لتقرير مقدماته فالتوحيد، وجواز البعثة، والنظر في المعجزات كالثابت للشرع في ذلك، فإذا قررها انعزل وصار مأمورا بامتثال ما يصدر عنها، ولهذا أجمع أهل الملة أن النبي الصادق إذا أخبر خبرا لا يدركه العقل وجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، وتلك خصيصة الإيمان بالغيب التي مدح الله بها المؤمنين.
والمعتزلة لما قلدوا عقولهم أنكروا عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ووزن الأعمال ووقعوا في عقال الضلال حيث عدلوا عن قول المعصوم.
والحاصل: أنه إذا تعارض التأكيد والتأسيس كان التأسيس أولى؛ لأنه أكثر

اكتب تعليقًا