البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص118

والعدل، والظلم إلا بالشرع فقط مخالفة المعتزلة في قولهم: ما قبحه العقول لا يرد الشرع بتحسينه، لا أنا لا نعرف معاني هذه الألفاظ قبل الشرع من اللغة، بل نعرفها قبل الشرع ونعلم تواطؤهم على التقبيح والتحسين في أشياء نعرفها، واختلافهم في أشياء أخرى، وأن عقلاءهم حكموا كذلك.
قال: ومن قال: إنا لا نعرف مقاصدهم بهذه الألفاظ قبل الشريعة لم يتمكن من الكلام فيها والمناظرة مع الخصوم. فإنه متى جرى في كلامه أن الشرع يقبحه أو يحسنه منعه منه. فقال: أي شيء تعني بالتحسين والتقبيح وأنت لا تعرفه حتى يرد الشرع؟ فيتعذر الكلام عليه.
قال: وأول ما ورد أبو عمرو البسطامي بنيسابور حضر بعض مجالس الكلام لبعض العلوية، فسئل عن هذه المسألة. فقال: لا أعرف الحسن والقبح قبل الشريعة. فأورد عليه هذا السؤال فالتبك فيه وتخبط ولم يمكنه الخروج منه. ثم قال: يكون الفرق بيننا في قولنا: إنما نعرف معاني هذه الألفاظ وبين قول المعتزلة إنا نقول ما قضى العقل بقبحه جاز أن ترد الشريعة باستحسانه ا هـ.
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب التحصيل: وكان أبو العباس القلانسي وأبو بكر الصيرفي، من أصحابنا يقولان بوجوب شكر المنعم ووجوب الاستدلال على معرفته ومعرفة صفاته من جهة العقل قبل ورود الشرع، ثم إن الصيرفي ناظر الأشعري في ذلك، واستدل على وجوب شكر المنعم بالعقل بوجوب الاحتراز مما يخاف منه الضرر.
قال: فإذا خطر ببال العاقل أنه لا يأمن أن يكون له صانع قد أنعم عليه وأراد منه الشكر على نعمه والاستدلال على معرفته لزمه الشكر والمعرفة. فقال له الأشعري: هذا الاستدلال ينافي أصلك؛ لأنك استدللت على وجوب شكر المنعم بإمكان أن يكون المنعم قد أراد ذلك، وإرادة الله لا تدل على وجوبه؛ لأنه سبحانه قد أراد حدوث كل ما علم حدوثه من خير وشر وطاعة ومعصية، ولا يجوز أن يقال بوجوب المعاصي، وإن أراد الله عز وجل حدوثها. فعلم الصيرفي منافاة استدلاله على مذهبه ورجع إلى القول بالوقف قبل الشرع. ا هـ.
زاد الطرطوشي أنه صنف كتابا سماه الاستدراك رجع فيه عن قوله الأول. وقيل: إنه ألحق بحاشية الكتاب: نحن وإن كنا نقول بشكر المنعم فإنما نقوله عند ورود الشرع.

اكتب تعليقًا