البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص119

مسألة: حكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع

[المسألة] الثانية: [حكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع].
إن أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع عندنا بناء على أن الأحكام هي الشرائع وعندهم الأحكام هي صفات الأفعال، فقالوا: الأفعال الاختيارية إما حسن بالعقل كإسداء الخيرات، أو قبيح بالعقل كالجور والظلم. وهذان لا خلاف فيهما عندهم كما قاله ابن برهان وغيره، وإنما الخلاف فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح كفضول الحاجات والتنعمات، والأول واجب أو مندوب أو مباح. والثاني حرام أو مكروه. والثالث فيه خلاف هل هو واجب أو مباح أو على الوقف؟ ثلاثة مذاهب.
أما الأفعال الاضطرارية كالتنفس ونحوه فحسنة قولا واحدا. وهكذا حرر الآمدي وغيره محل الوفاق من الخلاف.
وأما الإمام الرازي فإنه عمم الخلاف في جميع الأفعال وهو مناف لقواعد الاعتزال من جهة أن القول بالحظر مطلقا يقتضي تحريم إنقاذ الغرقى، وإطعام الجوعان، وكسوة العريان. والقول بالإباحة مطلقا يقتضي إباحة العقل والفساد في الأرض. والخلاف ظاهر فيما لم يطلع العقل على مفسدته ولا مصلحته. وحينئذ فلا تنافي الأصول قواعد القوم.
قال القرافي: لكن طريقة الإمام يساعدها النقل، فإن أبا الحسين البصري في كتاب المعتمد حكى عن شيعته المعتزلة الخلاف مطلقا من غير تقييد كما حكى الإمام، ووافقه القرافي أخيرا لهذا.
قلت: لكن ابن برهان وابن القشيري وغيرهما من الأئمة إنما حكوا الخلاف عنهم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتابه في أصول الفقه: قال جمهور المعتزلة: الشكر وما في معناه واجب. واختلفوا فيما وراءه هل هو حرام أو مباح؟.
وقال أبو الحسين بن القطان ممن يوافق المعتزلة: لا خلاف أن ما كان للعقل فيه حكم أنه على ما كان عليه قبل ورود الشرع مثل شكر المنعم وكفره. واختلفوا فيما سواه ثم حكى الخلاف.

اكتب تعليقًا