البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص124

الوقف. ولا معنى لقول من قال: إذا كان هذا من حكمها ثابتا عندكم في العقل فقد جعلتم لها حكما ثالثا في العقل، وأن ذلك نقض لقولكم: لا حكم لها في العقل؛ لأن غرضنا من ذلك ما ذكرنا من أنه لا حكم لها بحظر ولا إباحة وهذا خلاف في عبارة. انتهى.
واعلم أن أبا الحسين بن القطان حكى في المسألة أربعة مذاهب: الإباحة والحظر، والثالث: الوقف على الأدلة، فما قام عليه الدليل ونفى النافي على ما كان عليها. قال: وهو قول من قال: إنها ليست محظورة ولا مباحة. والرابع: أن الإباحة تحتاج إلى مبيح والحظر يحتاج إلى حاظر فيشير بما يوجب حكمه فيهما. انتهى.
وهذا الخلاف إنما هو في تفسير الوقف كما سبق.
ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إن تحريك اليد ونحوه قد حصل الإذن فيه بالعقل؛ لأن الجوارح لا تنفك من حركة. ثم نقل عن أبي بكر الصيرفي أنه كان يذهب إلى بطلان العقل، وأن التحريم والتحليل إنما يتعقل بالشرع.
قال: وهذا لا ينازعه فيه أحد، وإنما نقول له: هل للعقل في هذا لو انفرد؟ وهل يجب أن يصار إليه؟ فإن قال: لا. قلنا: ليس كلامنا فيه. وإن أراد الجواز أقمنا الأدلة على أن للعقل دخلا في الجواز. انتهى.
وقال المازري: الراجح عندنا الوقف. ونعني به القطع على أن لا حكم لله سبحانه في حقنا. قال: وأشار إمام الحرمين إلى أن الخلاف بين القائل بالإباحة والقائل بالوقف لفظي وظن أنهم يريدون بالإباحة هاهنا استواء الفعل وتركه في باب الذم وغيره. لكن غيره من أئمتنا الناقلين لهذا المذهب عن المعتزلة لم يحمله على ذلك.
واعلم أن من قال من أصحابنا بالحظر أو الإباحة ليس موافقا للمعتزلة على أصولهم بل لمدرك شرعي.
أما التحريم فلقوله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم} [المائدة: 4] ومفهومه أن المتقدم قبل الحل التحريم. فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر.
وأما الإباحة، فقوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] فهذه مدارك شرعية دالة على الحال قبل ورود الشرع فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء: لا علم لنا بتحريم، ولا إباحة. بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: المدرك عندنا العقل ولا يضرنا عدم ورود الشرع.

اكتب تعليقًا