أساس التقديس في علم الكلام – الرازي، فخر الدين – ج1 ص32

يقتضي بالقطع بأنه لو كان فوق العرش لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان ذاته سماء وإنما قلنا أنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقا لقوله تعالى {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى} ولفظه السموات لفظه جمع مقرونة بالألف واللام وهذا يقتضي كون كل السموات مخلوقة لله تعالى فلو كان هو تعالى سماء لزم كونه خالقا لنفسه وكذلك أيضا قوله تعالى {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} يدل على ما ذكرناه فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال فوجب أن لا يكون مختصا بجهة فوق فإن قيل لفظ السماء مختص في العرف بهذه الأجرام المستديرة وأيضا فهب أن هذا اللفظ في أصل الوضع يتناول ذات الله تعالى إلا أن هذا الفرق ممنوع وكيف لا نقول ذلك وقد دللنا على أن بتقديرا أن يكون الله تعالى مختصا بجهة فوق فإن نسبة ذاته تعالى إلى سكان العرش كنسبة السماء إلى سكان الأرض فوجب القطع بأنه لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء وأما الجواب عن الثاني فهو ان تخصيص العموم إنما يصار إليه عند الضرورة فلو قام دليل قاطع عقلي على كونه تعالى مختصا بجهة فوق لزمنا المصير إلى هذا التخصيص أما ما لم يقم شيء من الدلائل على ذلك بل قامت القواطع العقلية والنقلية على إمتناع كونه تعالى في الجهة فلم يكن بنا إلى إلتزام هذا التخصيص ضرورة فسقط هذا الكلام
الحجة الحادية عشرة قوله تعالى {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيها ملك لله تعالى وقوله {وله ما سكن في الليل والنهار} وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والزمان وهذا الوجه ذكره أبو مسلم الأصفهاني رحمه الله في تفسيره
واعلم أن في تقديم ذكر المكان على ذكر الزمان سرا شريفا وحكمة عالية

اكتب تعليقًا