الثالث ان ما قبل هذه الآية وما بعدها مذكور لبيان كمال قدرة الله تعالى وغاية عظمته في الإلهية وكمال التصرف لأن قوله {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى} لاشك ان المفهوم منه بيان كمال قدرة الله تعالى وكمال إلهيته وقوله {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} بيان أيضا لكمال ملكه وإلهيته واذا كان الامر كذلك وجب ان يكون قوله {الرحمن على العرش استوى} كذلك وإذا لزم ان يكن ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده وذلك غير جائز فأما اذا حملناه على كمال استيلائه على العرش الذي هو اعظم المخلوقات فالموجودات المحدثة كان ذلك موافقا لما قبل هذه الآية ولما بعدها فكان هذا الوجه أولى
الرابع ان الجالس على العرش لابد وان يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل منه في يسار العرش فيلزم في كونه في نفسه مؤلفا ومركبا وذلك على الله تعالى محال
الخامس ان الجالس على العرش ان قدر على الحركة والانتقال كان محدثا لأن ما لا ينفك عن الحركة والسكون كان محدثا وان لم يقدر على الحركة لان ما لا ينفك عن الحركة والسكون كان محدثا وان لم يقدر على الحركة كان المربوط بل كان كالزمن بل أسوأ حالا منهما فإن الزمن إذا أراد الحركة في رأسه او حدقتيه أمكنه ذلك وكذا المربوط وهو غير ممكن في الله تعالى
السادس انه لو حصل في العرش لكان حاصلا في سائر الأحياز ويلزمه منه كونه مخالطا للقاذورات والنجاسات وان لم يكن كذلك كان له طرف ونهاية وزيادة ونقصان وكل ذلك على الله تعالى محال
السابع قوله تعالى {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} فلو كان العرش مكانا لمعبودهم لكانت الملائكة الذين يحملون العرش حاملين اله العالم وذلك غير مقعول لان الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا