يدبر الله امر كل العالم
واعلم ان هذا الكلام مبني على أصول الحكماء وهو ان تأثير الباري تعالى في العقل وتأثير العقل في تدبير العالم العلوي وتدبير العالم العلوي في السفلي وقد تكلمنا عليه في الكتب العقلية المحضة اما الذي ذكروه ثانيا وهو التمسك بالآيات المشتملة على ذكر الفوقية فجوابه ان لفظ الفوق في الرتبة والقدرة قال الله تعالى {وفوق كل ذي علم عليم} {وإنا فوقهم قاهرون} {يد الله فوق أيديهم} والمراد بالفوقية في هذه الآيات الفوقية بالقهر والقدرة وقال تعالى {بعوضة فما فوقها} أي أزيد منها في صفة الصفر والحقاره وإذا كان لفظ الفوق محتملا للفوق في الجهة والفوق في الرتبة فلم حملتموه على الفوق في الجهة والذي يدل على ان المراد بلفظ الفوق ههنا الفوق بالقدرة والملكة وجوه
الأول انه قال {وهو القاهر فوق عباده} والفوقية المقرونة بالقهر هي الفوقية بالقدرة والمكنة لا بمعنى الجهة بدليل ان الحارس قد يكون فوق السلطان في الجهة ولا يقال فوق السلطان فقط
الثاني انه تعالى وصف نفسه بأنه مع عبيده فقال {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وقال {إن الله مع الصابرين} وقال وهو معكم أينما كنتم {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} فإذا جاز حمل المعية في هذه الآيات على المعية بمعنى العلم والحفظ والحراسة فلم لا يجوز حمل الفوقية في الآيات التي ذكرتم على الفوقية بالقهر والقدرة والسلطنة
الثالث ان الفوقية الحاصلة بسبب الجهة ليست صفة المدح لأن تلك الفوقية حاصلة للجهة والحيز بعينها وذاتها وحاصلة للمتمكن في ذلك الحيز بسبب ذلك الحيز فلو كانت الفوقية بالجهة صفة مدح لزم ان تكون الجهة افضل واكمل من الله تعالى ولا يقال يلزمكم ان تقولوا بأن القدرة افضل واكمل من الله تعالى لأنا نقول