القدرة صفة القادر وممتنعة الوجود بدونه بخلاف الحيز والجهة فإنه غني عن الممكن فثبت ان الكمال والفضيلة انما تحصل بسبب الفوقية بمعنى القدرة والسلطنة وكان حمل الآية عليه اولى اما قوله تعالى في صفة الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} ففيه جواب آخر وهو انه يحتمل ان يكون قوله {من فوقهم} صلة لقوله {يخافون} اي يخافون من فوقهم ربهم وذلك لأنهم يخافون نزول العذاب عليهم من جانب فوقهم وأما الذي ذكروه ثالثا وهو التمسك في العلو بسبب الجهة فقد يستعمل ايضا في العلو بسبب القدرة فإنه يقال السلطان اعلى من غيره ويكتب في امثلة السلاطين الديوان الأعلى ويقال لأوامرهم الأمر الأعلى ويقال لمجالسهم المجلس الأعلى والمراد في الكل العلو بمعنى القهر والقدرة لا بسبب المكان والجهة وايضا قال الله تعالى لموسى {لا تخف إنك أنت الأعلى} وقال {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} وقال {وكلمة الله هي العليا} وقال فرعون {أنا ربكم الأعلى} والعلو في هذه المواضيع بمعنى العلو بالقدرة لا بمعنى العلو بالجهة والذي يدل على ان المراد ما ذكرناه وجوه
الأول انه تعالى قال {سبح اسم ربك الأعلى} فحكم بأنه تعالى أعلى من كل ما سواه والجهة شيء سواه فوجب ان يكون ذاته أعلى من الجهة وما كان أعلى من الجهة يمتنع ان يكون علوه سبب الجهة فثبت ان علوه لنفس ذاته لا بسبب الجهة ولا يقال الجهة ليست بشيء موجود حتى يدخل تحت قوله {سبح اسم ربك الأعلى} لأنا نقول قد بينا في باب الدلائل العقلية انها لا بد وأن يكون امرا موجودا
الثاني هو انه تعالى لو كان في جهة فوق فإما ان يكون له جهة فوق نهاية وإما ان لا يكون له في تلك الجهة نهاية فإن كان الأول لم يكن اعلى الأشياء لأن الأحياز الخالية فوقه تكون اعلى منه ولأنه قادر على خلق الأجسام في جميع الأحياز فيكون قادرا على خلق عالم في تلك الأحياز التي هي فوقه فيكون ذلك العالم على ذلك التقدير اعلى منه وإنما قلنا لا نهاية لذات الله تعالى من جهة فوق