أما البخاري والقشيري فهما ما كانا عالمين بالغيوب بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما فأما اعتقاد أنهما علما جميع الأحوال الواقعة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زماننا فذلك لا يقوله عاقل غاية ما في الباب أنا نحسن الظن بهما وبالذين رويا عنهم إلا أنا إذا شاهدنا خبرا مشتملا على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين
الرابع أن هؤلاء المحدثين يخرجون الروايات بأقل العلل أنه كان مائلا إلى حب علي فكان رافضيا فلا تقبل روايته وكان معبد الجهني قائلا بالقدر فلا تقبل روايته فما كان فيهم عاقل يقول إنه وصف الله تعالى بما يبطل إلهيته وربوبيته فلا تقبل روايته إن هذا من العجائب
الخامس أن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم ما كتبوها عن لفظ الرسول بل سمعوا شيئا في مجلس ثم إنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو اكثر ومن سمع شيئا في مجلس مرة واحدة ثم رواه بعد العشرين والثلاثين لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعيانها وهذا كالمعلوم بالضرورة وإذا كان الأمر كذلك كان القطع حاصلا بأن شيئا من هذه الألفاظ ليس من ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي وكيف يقطع أن هذا الراوي سمع مما جرى في ذلك المجلس فإن من سمع كلاما في مجلس واحد ثم إنه ما كتبه وما كرر عليه كل يوم بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين فالظاهر أنه نسي منه شيئا كثيرا أو يشوش عليه نظم الكلام وترتيبه وتركيبه ومع هذا الاحتمال فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته
واعلم أن هذا الباب كثير الكلام وأن القدر الذي أوردناه كاف في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصل الدين بأخبار الآحاد والله أعلم