بين الصفا والمروة ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الحكيم تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن بالنوع الثاني لأن الطاعة من النوع الأول لا تدل على كمال الإنقياد لإحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرفه بعقله من وجه المصلحة فيه أما الطاعة في النوع الثاني فإنها تدل على كمال الإنقياد ونهاية التسليم لأنه لما لم يعرف فيه وجه المصلحة ألبتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الإنقياد والتسليم فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز الأمر كذلك في الأقوال وهو أن الذي أنزل الله علينا وأمرنا بتعظيمه وقرآنه ينقسم إلى قسمين منه ما يعرف معناه ولا نحيط بفحواه ومنه ما لا نعرف معناه ألبتة ويكون المقصود من إنزاله والتكليف بقراءته وتعظيمه ظهور كمال العبودية والإنقياد لأوامر الله تعالى بل ههنا فائدة أخرى وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود مع جزمه بأن المتكلم بذلك الكلام أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتا إليه أبدا ومتفكر فبه أبدا ولباب التكليف إشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكير في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له فيتعبد الله تعالى بذلك تحصيلا لهذه المصلحة وهذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب وباللله التوفيق
الفصل الثاني في وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه
اعلم أن كتاب الله تعالى دل على أنه بكليته محكم ودل على أنه بكليته متشابه ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه أما الذي يدل على أنه بكليته محكم قوله تعالى {الر كتاب أحكمت آياته} {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} قد ذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم والمراد من الحكم بهذا المعنى كونه حقا في ألفاظه وكونه حقا في معانيه وكل كلام سوى القرآن فالقرآن أفضل منه في لفظه ومعناه وإن أحدا من الخلق لا يقدر على الإتيان بكلام يساوي القرآن في لفظه وعناه والعرب تقول في البناء الوثيق والعهد الوثيق الذي لا يمكن نقضه إنه محكم فهذا معنى وصف كل القرآن أنه محكم أما الذي يدل على أنه بكليته متشابه فهو قوله