والوقف على حقائقها متوفرة فلو كان البحث عن تأويلها على سبيل التفصيل جائزا لكان أولى الخلق بذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ولو فعلوا ذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر وحيث لم ينقل عن واحد من الصحابة والتابعين الخوض فيها علمنا أن الخوض فيها غير جائز
الحجة الثالثة أنا قد ذكرنا أن اللفظ المتشابه قسمان المجمل والمؤول أما المجمل فهو الذي يحتمل معنيين فصاعدا احتمالا على التسوية فنقول إنه إما أن يكون محتملا لمعنيين فقط أو لمعان أكثر من اثنين فإن كان محتملا لمعنيين فقط ثم دل الدليل على عدم أحدهما فحينئذ يتعين أن المراد هو الثاني مثل أن الفوق إما أن يراد به الفوق في الجهة أو في الرتبة ولما بطل حمله على الجهة تعينت الرتبة أما إذا كان لفظ المفهومات مثله لم يلزم من عدم واحد منها تعين الثاني والثالث بعينه ولا يمكن أيضا حمل اللفظ عليهما معا لما ثبت أن لفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهومين معا
وأما الأول فنقول اللفظ إذا كان له حقيقة واحدة ثم دل دليل على أنها غير مرادة وجب حمل اللفظ على مجازه ثم ذلك المجاز إن كان واحدا تعين صرف اللفظ إليه صونا عن التعطيل وإن كان معينا نفى اللفظ مطردا في تلك المجازات وحينئذ فذلك الكلام الذي ذكرناه في المجمل عائد ههنا بعينه فثبت بما ذكرنا أن تأويل المتشابه قد يكون معلوما وقد يكون مظنونا والقول بالظن غير حاصل على ما سبق تقريره في باب أن التمسك بخبر الواحد في معرفة الله غير جائز فهذا هو الكلام في تقرير مذهب السلف
وأما المتكلمون القائلون في تأويلات المفصلة فحجتهم ما تقدم أن القرآن يجب أن يكون مفهوما ولا سبيل إليه في روايات المتشابهة إلا بذكر التأويلات فكان المصير إليه واجبا والله أعلم
الفصل الخامس في تفاريع مذهب السلف وهي أربع
الفرع الأول أنه لا يجوز تبديل لفظ من ألفاظ المتشابه بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر