وأما الجواب عن مسئلة إمهال النظر وإفحام الأنبياء فإنما يلزم الإفحام على من قال بالمهلة ويجب على النبي إمهال النظر وذلك مذهب المعتزلة وأما من قال بأنه لا يمهله ولا يجب عليه أن يمهله بل يجيب بأني جئت لأرفع المهلة وأرشدك إلى معرفة المرسل بأن أخبر عنك بما لا يمكنك إنكاره وهو احتياجك إلى صانع فاطر حكيم إذ كنت تعرف ضرورة أنك لم تكن فكنت وما كنت بنفسك بل بكون غيرك وهذه هي ابتداء الدعوة بيا ” أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ” فكيف يمهله ويكله إلى نفسه وهو مأمور بدعوة الناس إلى التوحيد والمعرفة حالة فحالة وشخصا فشخصا والاستمهال إنما يتوجه إذا خلت الدعوة عن الحجة الملزمة والدلالة المفحمة فإن من تحققت رسالته عنه في نفسها وتصدى لدعوة الناس إلى وحدانية الله تعالى لا يخلى دعوته عن الدلالة على التوحيد أولا ثم يتحدى بالرسالة عنه ثانيا اعتبر حال جميع الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم أما آدم أبو البشر فقد ثبت صدقه بإخبار الله تعالى ملائكته ” إني جاعل في الأرض خليفة ” فلم يكن في أول زمانه من كان مشركا فيدعوه إلى التوحيد وحين أمروا بالطاعة فمن صدق الله تعالى في خبره فسجد له بأمره ومن لم يسجد فكأنه لم يصدق فاستحق اللعنة وهو أول من كفر وأما نوح عليه السلام فأول كلامه مع قومه ” أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ” فأثبت التوحيد ثم النبوة فقال ” أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ” وأما هود بعده فقال ” يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ” ثم قال ” ولكني رسول من رب العالمين ” أثبت التوحيد ثم النبوة أما صالح بعده قال ” يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ” ثم قال ” قد جاءتكم بينة من ربكم ” وأما لوط فإنه كان يدعو الناس بدعوة الخليل وما جرى بينه وبين قومه من عبدة الأوثان والكواكب من أظهر ما يتصور ” وقال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ” وقال لأبيه آزر ” أتتخذ أصناما آلهة يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ” ثم أثبت الرسالة فقال ” يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ” وكانت الدعوة جارية على لسان أولاده إلى زمن موسى عليه السلام وكان من شأنه مع فرعون ما كان إذ قال له فرعون وما رب العالمين فمن ربكما يا موسى حتى حقق عليه التوحيد بتعريف وحدانيته استدلالا من أفعاله عليه في جواب وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما وفي جواب من ربكما قال ” ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ” ثم قال بعد ما قرر التوحيد ” إني رسول من رب العالمين ” فمن كان منكرا للتوحيد وجبت البداية معه بإثباته ومن كان مقرا به وجبت به البداية معه بإثبات النبوة كحال عيسى مع بني إسرائيل إذ قال ” قد جئتكم ببينة من ربكم ” ولما كانت دعوة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم أكمل ورسالته أرفع وأجل كان يبتدئ تارة مع عبدة الأصنام بإثبات التوحيد ثم بالنبوة ” يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ” أثبت احتياجهم ضرورة إلى فاطر وشاركهم في ذلك من قبلهم والذين من قبلكم كما قرر احتياجهم إلى الخالق في وجودهم قرر احتياجهم إلى رازق في بقائهم ” الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ” الآية ثم قرر بعد ذلك نبوته ” وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ” الآية بمعناها دالة على التوحيد وبظاهر لفظها البليغ ونظمها الأنيق دالة على صدق دعواه وتحديه ولربما يبتدئ بدعوى الرسالة ثم يضمنها حقائق التوحيد ” يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ” الآية حتى كانت الآية بعذوبة ألفاظها ورطوبة عباراتها الخارجة عن نظم الشعراء ونثر الفصحاء الخارقة لعاداتهم الجارية وعباراتهم الفائقة أوضح دلالة على رسالته وصدق لهجته وكانت معانيها الحقيقية وحقائقها المعنوية دالة على التوحيد واقترنت الدلالتان اقترانا لا يمكن للمستمع الاستمهال وليس ذلك أمرا بالتقليد فإن التقليد قبول قول الغير من غير حجة وفيها تقرر حجتان مفحمتان وإنما لم يلزم تكليف ما لا يطاق إذا لم يكن المستمع متمكنا من الاستماع والنظر والتدبر في كل ما يستمعه ويعقله حتى لو أنكره ظهر عناده وبطل استرشاده هذا هو طريق الدعوة النبوية والحجة