قال ابن الصلاح: فهذه مسألة فترة الشريعة وحملها كما قبل ورود الشرع. والصحيح منه: لا تكليف حكاه عنه في الروضة وأقره، وخرج في شرح المهذب عليه النبات المجهول سميته، واللبن المجهول كونه لبن مأكول أو غيره. ورجح الإباحة، وهذا ضعيف؛ لأن اللبن قد علم حكم الشرع فيه، وما يباح منه وما يحرم. فالموجود فيه حكم ولكنه متردد بين تحريم وإباحة فلا يحسن تخريجه على هذا الأصل. وأما النبات فلا يبعد تخريجه فيه كحيوان لم يرد فيه نص بحل ولا حرمة.
وقد ذكر الرافعي في الأطعمة: أن الماوردي خرجه على هذا الأصل، وكذلك خرج عليه الماوردي الشعر المشكوك في طهارته ونجاسته، والنهر المشكوك في كونه مملوكا أو مباحا: وهو تخريج ضعيف؛ لما بينا في اللبن المجهول.
ولو وقع رجل على طفل من الأطفال إن أقام على أحدهم قتله، وإن انتقل إلى آخر من جيرانه قتله.
قال الشيخ عز الدين في قواعده: قد قيل: ليس في المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ولم نر للشريعة التخيير بين هاتين المفسدتين. فلو كان بعضهم مسلما، وبعضهم كافرا فهل يلزمه الانتقال إلى الكافر؛ لأن قتله أخف مفسدة من قتل الطفل المحكوم بإسلامه؟.
الأظهر عندي: أنه يلزم ذلك؛ لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين.
وبنى في موضع آخر على هذا الأصل ما إذا لم يكن في الفعل مصلحة ما، ولا مفسدة ما كتحريك الأصبع في الهواء لغير دفع ولا نفع. قال: فالذي أراه أنه مقرر على ما كان قبل ورود الشرع، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أنه مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك ولا مأذون فيه بل يكون كفعل المجانين والصبيان ومن لم تبلغه الدعوة.
وبنى الماوردي والروياني في كتاب القضاء على هذا الخلاف أيضا تقرير النبي صلى الله عليه وسلم غيره على فعل من الأفعال هل يدل على الجواز من جهة الشرع، أو من جهة البراءة الأصلية. وكون الأصل هو الإباحة؟ فإن قلنا: أصل الأشياء على التحريم دل التقرير على الجواز شرعا، وإن قلنا: أصلها الإباحة فلا. وسيأتي في كتاب السنة إن شاء الله تعالى.
والتحقيق : أن تخريج هذه الفروع كلها لا يستقيم لأمرين:
أحدهما : أن الأصل المخرج عليه ممنوع في الشرع، وإنما ذكره الأئمة على تقدير