بالحادثة من أهل الاستدلال كان دليل السكوت فيه أوهى وأضعف.
وأما قول الشافعي فيما خرج عن السبيلين: ذكر الله الأحداث في كتابه، ولم يذكر هذا {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] فإن قوما من أصحابنا تعلقوا به أنه إنما رده إلى سقوط التكليف إلا بدليل، وليس الأمر كذلك عند عامة الأصحاب، وإنما وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته، ولا ينتقض وضوءه إلا بحدث وما لم تقم دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه، وقد قال عليه السلام: “لا ينصرف حتى يسمع صوتا” 1 ومن احتج بقوله: “وما سكت عنه فهو عفو” 2 فليس بجيد؛ لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه.
فائدة :
ادعى الشافعي الإجماع على أن المكلف لا يجوز له الإقدام على فعل شيء حتى يعلم حكم الله فيه، وكذلك حكاه الغزالي في المستصفى واستشكله بعضهم بتصريحهم بالبراءة الأصلية، وأنه لا حرج في الإقدام إذ ذاك، إذ لا حكم.
وقال بعض المتأخرين: الإجماع محمول على ما إذا أقدم بلا سبب، ومحل عدم الحرج ما إذا أقدم مستندا إلى البراءة الأصلية. وقيل: بل المنفي في كلامهم هو الجواز الشرعي، وهو حق، إذ الغرض أن لا حكم فلا جواز، لكنه إذا أقدم فلا يعاقب إذ لا حكم.
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، حديث “137”، ورواه مسلم “1/276” حديث “361” عن عبادة بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينتفل – أو لا ينصرف – حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا” .
2 حديث صحيح: رواه أبو داود “3/354” كتاب الأطعمة باب ما لم يذكر تحريمه، حديث “3800” بإسناده عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} إلى آخر الآية. ورواه الحاكم في المستدرك “2/604” حديث “3419”. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.