مسألة: [تعريف الحسن والقبح]
كان من حقها أن تذكر صدر الأصل السابق وهو تعريف الحسن والقبح. قد أطلق الأصوليون القول بمقابلة الحسن بالقبيح، وإنما يقابل الحسن بالسيئ والقبيح بالجميل، كما قال الله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] وقال: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} [فصلت: 34] ومن حكم التقابل مقابلة الأعم بالأعم والأخص بالأخص، والقبيح أخص من السيئ كما أن الجميل أخص من الحسن، وأبلغ من المدح معه، ولذلك يقال: حسن جميل، ولا يقال: جميل حسن؛ لأنه لا ينزل من الأعلى إلى الأدنى بخلاف العكس.
وأما حقيقتهما في الاصطلاح فيؤول إلى تعلق الخطاب بالشيء على صفة، وليسا راجعين إلى الذوات كما سبق خلافا للمعتزلة والكرامية والروافض، حيث قالوا: إلى نفس الذوات الحسنة والقبيحة، ويرون ذلك من صفات نفوسها. هذا قول القدماء منهم. وذهب بعضهم إلى اختصاص هذا المعنى بالقبيح فرأوه راجعا إلى الذات بخلاف الحسن.
وعكس بعضهم فرأى الحسن يرجع إلى الذات بخلاف القبيح، وأنكر إمام الحرمين هذه المذاهب الثلاثة، وزعم أنهم إنما يريدون بما أطلقوه من صرف الحسن والقبح إلى أعين الذات أن ذلك يستدرك فيها بالعقول من غير حاجة إلى بعث الرسول. انتهى.
وقال قوم من المعتزلة: العقل يقتضي لذاته صفة وتلك الصفة توجب الحسن أو القبح، كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المقتضي عدم المفسدة. وكالزنى المشتمل على اختلاط الأنساب المقتضي ترك تعهد الأولاد.
قال الجبائي وأتباعه بوجوه واعتبارات بمعنى أن لكل صفة لكن هي غير حقيقية.
وفي كلام الأحكام ما يظهر منه أن مذهب الجبائي الذي قبل هذا، وقد اضطرب أصحابنا في الفصل بينهما، فقيل: الحسن: ما طلبه الشرع، وأثنى عليه، فيتناول الواجب والمندوب، والقبيح: ما طلب تركه وذم فاعله فيتناول الحرام والمكروه. قاله ابن القشيري، وابن السمعاني في القواطع. ونقله ابن برهان عن