والثالث : أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عند المكلف، لكن علم الله أنه لا يختار إلا فعل ما هو واجب عليه، واختياره معرف، لنا أنه الواجب في حقه، وعلى هذا فيختلف بالنسبة إلى المكلفين. حكاه ابن القطان مع جلالته.
وقال في المحصول: إن أصحابنا ينسبونه إلى المعتزلة، والمعتزلة إلى أصحابنا، واتفق الفريقان على فساده، ولذلك قال صاحب المصادر: لو ذهب ذاهب إلى أن الواجب فيها واحد معين عند الله غير معين عندنا كان خلافا من جهة المعنى، وجرى مجرى تكليف ما لا يطاق. هذا مما لا يذهب إليه أحد. انتهى، وقد علمت فساده.
والرابع : أن الواجب واحد معين عند الله تعالى لا يختلف، فإن فعله المكلف فذاك، وإلا وقع نفلا وسقط الواجب به، وعلى الأول وهو قول الأصحاب، فهل يتعين بفعل المكلف أو باختياره؟ وجهان:
والأول : حكاه أبو الخطاب الحنبلي في تمهيده وابن السمعاني في القواطع، وأغرب فنسبه إلى الأصحاب.
وقال الباجي: إنه قول معظم أصحاب مالك.
والثاني : حكاه أبو يوسف في الواضح، فقال: ذهب الفقهاء إلى أن المأمور به واحد، ويتعين باختيار المكلف، فكأنهم قالوا: إن الواجب ما في علم الله أن المكلف يختاره.
قيل: ويلزم عليه أن المكلف إذا مات قبل الفعل ولم يفعله عنه غيره أن لا وجوب، وهو خلاف الإجماع.
ويجيء قول آخر وهو الوقف، فإن فعل واحدا منها فهو الواجب، كما قال أبو إسحاق المروزي: إن مالك النصاب يتخير بين إخراج الزكاة من عين المال ومن غيره، فإذا أخرجها من عين المال تبين أن الوجوب تعلق بالعين، وإن أخرجها من غيرها تبينا أنها لم تجب في العين.
ويجيء قول آخر: إنه إذا كان أحد الخصال أدون كان هو الواجب، فإن فعل الأكمل سقط به، وهذا كما في زكاة البقر، فإن خبر معاذ دل على أن الواجب في ثلاثين تبيع أو تبيعة.
ونص الشافعي في المختصر والأصحاب أن الواجب التبيع، وأنه إذا أخرج التبيعة كان أولى، وأسقط الواجب، ويكون متطوعا بالزيادة إلا أن يقال: سبب ذلك قيام الإجماع على أن الواجب في الثلاثين تبيع.