البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص151

يفعل هذا فعل هذا، وهو مذهب الجمهور.
وكان الغلط في هذه المسألة: إما من المعتزلة حيث ظنوا أن الوجوب مع التخيير لا يجتمعان، أو من الناقلين عنهم بأن وافقوهم على عبارة موهمة، والذي نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة عنهم: أن الجميع واجب على البدل.
وقد حرر بعض المتأخرين ذلك فقال: القدر المشترك يقال على المتواطئ، كالرجل ولا إبهام فيه، وأن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين.
والفرق بينهما: أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية. والثاني فيه أحد الشخصين بعينه، وإن لم يعين، ولذلك يسمى مبهما؛ لأنه انبهم علينا أمره، والأول لم يقل أحد: إن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق، فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل. فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين، ولا على التخيير. فلا يقال فيه: واجب مخير، ولا يتأتى فيه الخلاف الذي في المخير، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك. والثاني متعلق الخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وسمي الواجب المخير.
قال: وبهذا تبين أن تزويج أحد الخاطبين، وإعتاق واحد من الجنس اللذين ذكرهما ابن الحاجب، وكذا نصب أحد المستعدين للإمامة إذا شغر الوقت عن إمام. الذي ذكره البيضاوي ليس مما نحن فيه؛ لأنه مما يتعلق الوجوب فيه بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات، وإنما مثاله أهل الشورى الذين جعل عمر الأمر فيهم؛ لتعلق الأمر بأعيانهم.
وقال العبدري في المستوفى: الخلاف في هذه المسألة إنما وقع من جهة الإجمال الذي في اللفظ، فإنه يحتمل أن يكون المراد المخير فيه، وأن يكون المراد المخير في أنواعه إن كان ذا أنواع، وفي أشخاصه إن كان ذا أشخاص.
فيقال: لا شك إن أردت المخير فيه فالعين واحد لا يصح التخيير فيها، وإن أردت التخيير في أنواعه وأشخاصه، فأنواع الشيء الواحد بالجنس وأشخاصه يصح التخيير فيها، وبه ينقطع النزاع ويرتفع الخلاف.
قلت: والصواب: أن الخلاف بين الفريقين محقق، فإن الذي يقتضيه كلام الفقهاء أن الواجب كل خصلة على تقدير عدم الأخرى، وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة من الجنس، والذي تقتضيه قواعد المعتزلة: أن الواجب القدر المشترك بين

اكتب تعليقًا