التعيين. قال: وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت إلا تيقن الامتثال فيه.
وأطنب إلكيا الهراسي في تزييف القول بالعزم، وقال: يجب طرحه، وقال القاضي أبو الطيب: لم يذكره أصحابنا المتقدمون، ولا يحفظ عن الشافعي.
واختار الغزالي طريقة وسطى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك، فلا يجب عليه العزم، وبين من خطر بباله الفعل والترك، فهذا وإن لم يعزم على الفعل عزم على الترك ضرورة، فيجب عليه العزم على الفعل، واستحسنه القرافي في قواعده، وهو في الحقيقة راجع لمذهب القاضي، إذ ليس لنا قائل بوجوب العزم مع الغفلة؛ لأنه محال.
وقال المازري: لما كان القاضي وابن فورك يريان أن من مات في أثناء الوقت قبل الفعل لا يأثم ألزموا الجمع بين إباحة الشيء والتأثيم منه؛ لأنا نجوز له التأخير، فكيف نؤثمه؟ اعتذر عن هذا الإلزام بأن أثبتوا العزم على إيقاع الفعل بدلا من تقديم إيقاعه، ورأوا أن التأخير لم يسقط وجوبه إلا بإثبات عوض منه، وهو العزم، فأشبه تخيير الحانث بين الإطعام والكسوة، فإن الإطعام وإن لم نؤثمه في تركه إذا لم يفعله، وعوض عنه الكسوة لم يخرج عن حقيقة الوجوب ألبتة، وإنما يسقط إلى بدل.
وأنكر إمام الحرمين إثبات العزم هنا ولم يره انفصالا عن الإلزام.
قال المازري: وكان دار بيني وبين الشيخ أبي الحسن اللخمي في هذا مقال فإنه أنكر إيجاب العزم واستبعده كما استبعده الإمام، فلم يكن إلا قليلا حتى قرأ القارئ في البخاري حديث “إذا التقى المسلمان بسيفيهما”1 الحديث، وفيه تعليل النبي صلى الله عليه وسلم بكون المقتول في النار، لكونه حريصا على قتل صاحبه، فقلت: هذا يدل للقاضي، فلم يجب بغير الاستبعاد.
وذكر الإمام عن القاضي أنه يقول بالعزم، وتردد المكلف بين العزم والفعل كل
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الأيمان، باب {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ، حديث “31”، ورواه مسلم “3/2213” كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، حديث “2888” عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار”. فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: “إنه كان حريصا على قتل صاحبه” .