وحكوا معه وجهين:
أحدهما: أنه يستقر الوجوب قبل إمكان الأداء إلحاقا لأول الوقت بآخره، وهو قول أبي يحيى البلخي من أصحابنا، وخطئوه بإمكان القضاء في آخر الوقت دون أوله.
والثاني : لا يستقر حتى يدرك مع الوقت أداء جزء، وهو قول ابن سريج. قالوا: لأنه لو استقر فرضها في أول الوقت بإمكان الأداء لم يجز أن يقصرها إذا سافر في آخر وقتها، لاستقرار فرضها، فلما جاز له القصر دل على أنه إنما استقر بآخر الوقت.
قال الأصحاب: وليس جواز القصر آخر الوقت دليلا على أن الفرض لم يستقر؛ لأن القصر من صفات الأداء. قالوا: وهذا من ابن سريج رجوع إلى مذهب أبي حنيفة في وجوبها بآخر الوقت.
الثانية: [فائدة الخلاف]:
حكى بعضهم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن القائلين بآخر الوقت يجوزون فعله أوله، وإنما الخلاف في تسميته واجبا.
وقال القاضي أبو الطيب: تظهر فائدة الخلاف في حكمين مقصودين:
أحدهما : لا يجوز تأخيره عن أول الوقت إلى آخره إلا بشرط العزم على الصحيح.
والثاني : أن الفعل إذا كان مما يجب قضاؤه، فإذا مضى من أول حال الإمكان مقدار زمن الإمكان، ثم زال التكليف بجنون أو حيض أو غيره حتى فات وقته وجب قضاؤه على قولنا، ولا يجب قضاؤه على قولهم.
الثالثة : [الواجب الموسع قد يكون محدودا وقد يكون وقته العمر]:
إذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون محدودا بغاية معلومة، كالصلاة، وقد يكون وقته العمر، كالحج وقضاء الفائت من الصلاة بعذر، فإنه على التراخي على الصحيح، وسموه الحنفية المشكك؛ لأنه أخذ شبها من الصلاة باعتبار أنه لا يستغرق الوقت، ومن الصوم باعتبار أن السنة الواحدة لا يقع فيها إلا حجة واحدة.
والحق: أن الحج لا يسمى موسعا بالحقيقة؛ لأنه ليس له وقت منصوص عليه، والتوسيع والتضييق إنما يكونان في الوقت، ولكن جرينا في هذا التقسيم على عبارة الجمهور.