البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص193

ونقل الشيخ أبو إسحاق عن بعض الأشعرية أنه يجب على المسافر صوم أحد الشهرين إما شهر الأمر أو شهر القضاء وأي ما صام كان أصلا، كالأنواع في كفارة اليمين، واختاره الإمام الرازي، ونقله سليم عن الأشعرية. قال: وقالوا في المريض والحائض كقول أهل العراق يعني أنه لا يجب مع العذر. وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: اختلفوا في المريض والمسافر والحائض الذين لا يلزمهم فعل الصوم في الحال لأجل عذرهم. هل يجب عليهم الصوم في الحال أو بعد زوال العذر؟ فمذهبنا: أنه واجب عليهم في الحال إلا أنهم يجوز لهم تأخيره إلى أن يزول العذر، وقال أهل العراق: الصوم واجب على المسافر في الحال دون المريض. قالوا: وأما الحائض فلا يجوز أن يقال: الصوم واجب عليها، والقول بذلك بدعة، وقال ابن جماعة المقدسي في الفروق: وإياك أن تقول: إن المسافر يخير بين الصوم والفطر فهو خطأ؛ لأن التخيير الواجب غير كونه واجبا. فلا يتصور التخيير بين واجب ومباح، بل العبارة الصحيحة أن يتخير بين فعل الصوم وبين فعل العزم على قضائه، فيكون العزم بدلا عن الصوم من الوقت، وحاصله: الوجوب في حق المسافر والمريض، وأما الحائض ففي وجوبه عليها وجهان. صحح الشيخ أبو إسحاق وغيره الوجوب، ونقله ابن برهان عن كافة الفقهاء منا ومن الحنفية، ونقل عن المتكلمين منا ومن المعتزلة أنها لا تخاطب به، وهو الذي نصره ابن القشيري. وقال النووي في الروضة: إنه الأصح، إذ القضاء لا يجب إلا بأمر جديد. قلت: وهو الذي نص عليه الشافعي في الرسالة، فقال: وقد ذكر أن التكليف إنما يتعلق بالبالغين.
قال الشافعي: وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة على البالغين العالمين دون من لم يبلغ، ومن بلغ ممن غلب على عقله من ذوي الحيض في أيام حيضهن. هذا لفظه1.
وقال الآمدي: والحق في ذلك: إن أريد بكونها مكلفة بتقدير زوال المانع فحق، وإن أريد أنها تؤمر بالإتيان بالصوم حالة الحيض فباطل، وهو يشير إلى أن الخلاف لفظي، وبذلك صرح الشيخ أبو إسحاق أيضا، وقيل: بل يظهر في النية إذا قلنا: يجب التعرض للأداء والقضاء.
وحكى إلكيا الطبري وجوبه عليها بمعنى ترتبه في ذمتها لا وجوب أدائه، ولهذا يسمى ما تؤديه بعد الحيض قضاء، ورأيت من يحكي ذلك عن نص الشافعي، وحينئذ
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص “58”.

اكتب تعليقًا