البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص196

ويخرج من ذلك إذا قلنا: إنه واجب على الجميع. قولان: أحدهما: أنه واجب على جميع المكلفين من حيث إنه جميع. والثاني: أنه واجب على كل واحد، فإن قام به بعضهم سقط التكليف عن الجميع، وإن لم يقم به أحد أثم الجميع.
ويظهر تغاير القولين في كيفية التأثيم عند الترك، فعلى الأول تأثيم كل واحد يكون واقعا بالذات، وعلى الثاني بالعرض، وقد ضعف صاحب التنقيحات القول الثاني بأن الوجوب إذا تعين على كل واحد بالفعل، وليس الشيء مما يفوت، كصلاة الجنازة فإسقاطه عن الباقين رفع للطلب بعد التحقق فيكون نسخا، ولا يصح دون خطاب جديد، ولا خطاب، فلا نسخ، فلا سقوط. بخلاف ما إذا قلنا بالأول، وهو وجوبه على الجميع من حيث هو جميع، فإنه لا يلزم هذا الإشكال، إذ لا يلزم من إيجاب الحكم على جملة إيجابه على كل واحد، والظاهر ترجيح الثاني، فإن تكليف المجموع من حيث هو مجموع لا يعقل؛ لأنه غير مكلف، وإن اعتبر فيه الأفراد رجع لقولنا. وقوله: يلزم منه رفع الطلب قبل الأداء، وهو إنما يكون بالنسخ ممنوع، فإن رفع الطلب كما يكون بالنسخ يكون بانتفاء علة الوجوب، وهو كذلك، فإن الله تعالى إنما أوجب صلاة الجنازة احتراما للميت كما أوجب دفنه سترا له، فإذا قام بذلك طائفة زالت العلة فيسقط الوجوب؛ لزوال علته، كما أنه يسقط وجوب الدفن إذا احترق الميت أو أكله السبع لانتفاء علته. ويظهر مما ذكرناه أن قولهم: ويسقط بفعل البعض فيه تجوز، فإن علة السقوط بالحقيقة هي انتفاء علة الوجوب لا فعل البعض، لكن لما كان فعل البعض سببا لانتفاء علة الوجوب نسب السقوط إليه تجوزا. هذا إن عللنا أفعال الله تعالى بالمقاصد، ومن لم يعللها بالمقاصد فيجوز أن يكون أداء بعضهم أمارة على سقوط الفرض عن الباقين.
وقد أورد على هذا المذهب أنه لو كان واجبا على الكل لما سقط بفعل البعض؛ لأن البعض الآخر حينئذ يكون تاركا للواجب، وتارك الواجب مستحق العقاب.
وأجيب بأن الإيجاب متعلق بالجميع، ولا يلزم من تعلقه بالجميع تعلقه بكل واحد، وأيضا فإن سقوطه عن الباقين لتعذر التكليف به، والتكليف تارة يسقط بالامتثال، وتارة يسقط بتعذر الامتثال.
وقال المتولي: هل نقول إذا فعله يسقط الفرض عنه وعنهم؛ لأن الفرض يتناول جميعهم، أو نقول بأن آخر الأمر أن الوجوب لم يتناول سوى من فعله؟ فيه

اكتب تعليقًا