الماء عينه نجسا بالمخالطة لما تصور انقلابه طاهرا بالمكاثرة.
قال وهو باطل، فإن المائع اللطيف إذا وقعت فيه نجاسة خالطت أجزاؤه أجزاءها، وامتزجت به لا يمكن التمييز، فوجب الحكم بنجاسة الكل؛ لأن النجاسة لا معنى لها إلا الاجتناب، ولا شك أن وجوب الاجتناب ثابت في الكل.
وقد وافق على حكاية هذا الخلاف ابن السمعاني في القواطع، فقال فمنهم من قال يصير كله نجسا، وهو اللائق بمذهبنا، وقيل: إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على المباح قال وهو يليق بمذهب أبي حنيفة.
قلت: وهو الذي أورده الإمام في المحصول وما أورده ابن برهان في الاعتراض عليهم رده الأصفهاني بأن وجوب الاجتناب عند اختلاط النجاسة بالماء متفق عليه، وإنما الكلام في علة الاجتناب ما هي؟ وقال أبو الحسين في المعتمد: اختلفوا في اختلاط النجاسة بالماء الطاهر، فقيل: يحرم استعماله على كل حال، ومنهم من جعل النجاسة مستهلكة، واختلفوا في الأمارة الدالة على استهلاكها، فمنهم من قال: هي عدم تغير الماء، ومنهم من قال: هي كثرة الماء. واختلف هؤلاء فمنهم من قدر الكثرة بالقلتين، ومنهم من قدرها بغير ذلك.
إذا علمت هذا، فنقول: إذا لم يمكن الكف عن المحظور إلا بالكف عما ليس بمحظور، كما إذا اختلط بالطاهر النجس كالدم والبول يقع في الماء القليل أو الحلال بالحرام، فإما أن يختلط ويمتزج بحيث يتعذر التمييز، فيجب الكف عن استعماله، ويحكم بتحريم الكل. قاله إمام الحرمين في التلخيص وغيره، وكذا لا يختص التحريم بالممنوع أصالة، ذكره ابن السمعاني في القواطع، وظاهر كلامه أنه لا يتأتى فيه الخلاف السابق: في أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن حكى الخلاف في كيفية التحريم على ما سبق. أما إذا لم يختلط بدخول أجزاء البعض في البعض فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يجب الكف عن الكل، كالمرأة التي هي حلال تختلط بالمحرمات، والمطلقة بغير المطلقة، والمذكاة بالميتة، فيحرم إحداها بالأصالة وهي المحرمة والأجنبية والميتة، والأخرى بعارض الاشتباه وهي الزوجة، والمذكاة؛ لأن المحرم بالأصالة يجب اجتنابه ولا يتم اجتنابه إلا باجتناب ما اشتبه به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقيل: تباح المذكاة والأجنبية ولكن يجب الكف عنهما.
قال الغزالي: وأما توهم هذا من ظن أن الحل والحرمة وصف ذاتي لهما أي: