البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص208

قائم بذاتهما، كالسواد والبياض بالأسود والأبيض، وليس كذلك بل الحل والحرمة متعلقان بالفعل، وهما الإذن في الفعل ووجوب الكف، وحينئذ يتحقق التناقض، وقد يقال: إن مراد هذا القائل أن تحريم الأجنبية والمذكاة بعارض الاشتباه، وهما في نفس الأمر مباحتان، فالخلاف إذن لفظي.
الثاني : ما يسقط حكم التحريم، كما إذا اختلطت محرم بنساء بلدة عظيمة، فيجعل كالعدم، ويباح له نكاح أي امرأة أراد.
الثالث : ما يتحرى فيه، كالثياب والأواني. قال الإمام في المحصول: وكان القياس عدم التحري؛ لأن ترك استعمال النجاسة لا يتأتى بيقين إلا بترك الجميع. قال: وهاهنا فيه خلاف، يعني هل يتوقف على الاجتهاد أم يجوز الهجوم بمجرد الظن؟ والأصح: الأول، ومن القسم الأول: لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق ولم ينو معينة حرمتا جميعا إلى حين التعيين؛ لأن كلا منهما يحتمل أن تكون المطلقة وغيرها، وإذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، وحكاه الغزالي في “المستصفى”1 عن أكثر الفقهاء، وقال قبله: يحتمل أن يقال: يحل قبلهما والطلاق غير واقع؛ لأنه لم يبين له محلا، فصار كما إذا باع أحد عبديه، ويحتمل أن يقال: حرمتا جميعا، وأنه لا يشترط تعيين محل الطلاق، ثم عليه التعيين، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، والمنع في ذلك موجب ظن المجتهد، أما المضي إلى أن إحداهما محرمة، والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنبية فلا ينقدح هاهنا؛ لأن ذلك جهل من الآدمي عرض بعد التعيين. أما هذا فليس متعينا في نفسه، بل يعلمه الله تعالى مطلقا لإحداهما لا بعينها. ا هـ.
وما قاله أولا من احتمال حل الوطء هو المنقول عن ابن أبي هريرة من أصحابنا، وحكاه عنه ابن هبيرة في كتاب الخلاف والإجماع، ولو قيل: بحل وطء إحداهما بناء على أن الوطء لإحداهما تعيين للطلاق في الأخرى، كما هو أحد الوجهين لم يبعد، ثم إذا عين إحداهما في نيته. قال الإمام في باب الشك في الطلاق من “النهاية”2: أطلق الأصحاب التحريم ما لم يقدم بيانا. قال: ويحتمل أنه إذا عرف المطلقة حل له وطء الأخرى في الباطن، وهو ممنوع من غشيانهما جميعا. أما إذا غشي إحداهما فما سبب المنع حينئذ؟ ثم حمل كلام الأصحاب على ما إذا ظهرت الواقعة للحاكم، ولم يثبت
ـــــــ
1 انظر المستصفى ص “58”.
2 يعني كتاب “نهاية المطلب في دراية المذهب”.

اكتب تعليقًا