البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص216

ذكر إمام الحرمين أن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء وهي من توسط جمعا من الجرحى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته، ولو انتقل لهلك آخر، يعني مع تساوي الرجلين في جميع الخصال.
قال: وهذه المسألة لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه: القطع بسقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله وغضبه، ووجه السقوط استحالة التكليف بالمحال واستمرار العصيان، لتسببه إلى ما لا يخلص منه، ولو فرض إلقاء رجل على صدر آخر، بحيث لا ينسب إلى الواقع اختيار فلا تكليف ولا عصيان.
وقال الغزالي: يحتمل ذلك، ويحتمل أن يقال: يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف، ويحتمل التخيير، وقال في المنخول: المختار أنه لا حكم لله فيه، فلا يؤمر بمكث ولا انتقال، ولكن إن تعدى في الابتداء استصحب حكم العدوان، وإن لم يتعد فلا تكليف عليه، ونفى الحكم حكم الله في هذه الصورة.
وقال في آخر الكتاب حكم الله فيه أن لا حكم، وهو نفي الحكم. هذا ما قاله الإمام فيه، ولم أفهمه بعد، وقد كررته عليه مرارا، ولو جاز أن يقال: نفي الحكم حكم لجاز أن يقال ذلك قبل ورود الشرائع، وعلى الجملة جعل نفي الحكم حكما تناقض، فإنه جمع بين النفي والإثبات إن كان لا يعني به تخيير المكلف بين الفعل والترك، وإن عناه فهو إباحة محققة لا دليل عليها.
قال الإبياري، وهذا أدب حسن مع الإمام.
وقوله: هذا لا أفهمه يعني لا لعجز السامع عن فهمه بل لكونه غير مفهوم في نفسه. ا هـ.
وللإمام أن يقول: أردت انتفاء الحكم يعني الحكم الخاص وهي الأحكام الخمسة، وتكون البراءة الأصلية حكما لله بهذا الاعتبار، وقد قال في كتاب الصداق من النهاية: ليس يبعد عندنا أن يقال بنفي الحرج عنه فيما فعله، وهذا حكم، ولا يبعد أن يقال: انتقالك ابتداء فعل منك واستقرارك في حكم استدامة ما وقع ضروريا، ويؤيد أن الانتقال إنما يجب في مثل ذلك إذا كان ممكنا، وإذا امتنع بإيجابه بحال، والممتنع شرعا كالممتنع حسا وطبعا.
قال: وهذا في الدماء لعظم موقعها بخلاف الأموال، فالتحقيق فيها ليس

اكتب تعليقًا