المعينتين لا بعينها، وأما القرافي من المتأخرين فإنه فرق بين الأمر المخير بين واحد من الأشياء، والنهي المخير، فإن الأمر متعلق بمفهوم أحدها والخصوصيات متعلق التخيير، ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب الخصوصيات كما مضى.
وأما النهي فإنه إذا تعلق بالمشترك لزم منه تحريم الخصوصيات؛ لأنه لو دخل منه فرد إلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك المحرم، ووقع المحذور، كما إذا حرم الخنزير يلزم تحريم السمين منه والهزيل والطويل والقصير، وتحريم الجمع بين الأختين ونحوه إنما لاقى في المجموع عينا لا المشترك بين الأفراد، فالمطلوب منه أن لا يدخل ماهية المجموع في الوجود، والماهية تنعدم بانعدام جزء منها، وأي أخت تركها خرج عن عهدة المجموع فليس كالأمر.
وقال الشيخ علاء الدين الباجي من المتأخرين: الحق نفي التحريم المخير؛ لأن المحرم في الأختين الجمع بينهما كما نطق به القرآن لا إحداهما، ولا كل واحد منهما بخلاف الواجب المخير، فإن الواجب إما أحدها أو كل منهما على التخيير، وفي كلام البيضاوي إشارة إليه.
وما ذكره القرافي مأخذه من قوله: إن النهي عن نوع يستلزم النهي عن كل أفراده، إذ في كل فرد النهي، مثل لا تزن فلا شيء من الزنى بحلال، وإلا لصدق أنه زنى. والأمر على هذا الوجه، غير أن قوما يتلقون ذلك من كون النكرة في سياق النفي للعموم، وآخرون يتلقونه من أن النهي عن الكل يستلزم بعض أفراده.
وقال صاحب الواضح من المعتزلة: النهي عن أشياء على التخيير إن كان على سبيل الجمع كقوله: لا تفعل كذا وكذا فإن أمكنه الخلو منها كلها كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] فهو منهي عن الجميع، وإلا لم يحسن النهي عن كلها كقوله: لا تفعل في يدك حركة ولا سكونا.
وقال إلكيا الهراسي: الذي يقتضيه رأي أصحابنا في النهي عن أشياء على التخيير أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، ولا يصح أن يكون الأضداد بجملتها قبيحة، ولا ينفك الإنسان عن واحد منها، فلا يحسن أن ينهى عنها بأجمع، فإذا نهى عن ضدين قد ينفك عنهما إلى ثالث صح، ويصح منه فعلها جميعا؛ لأن أي واحد منها فعله كان قبيحا، والنهي عنهما مع تضادهما عن الجمع لا يحسن؛ لأن الجمع بينهما ليس في المقدور، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ومتى ما أمر بشيئين ضدين كان له فعل كل واحد منهما.