التنبيه الثاني:
إذا علقنا التكليف بالبلوغ، فهل يصير مكلفا بمجرده أم لا بد من أن يمضي بعد البلوغ من الزمان ما يمكنه فيه التعريف والقبول؟ فيه وجهان. حكاهما الحارث المحاسبي في كتاب فهم السنن.
قال: وقولنا: إنه يصير مكلفا في الوقت إذا لم يكن فيه مانع، فإذا انقضى وقت أدائه ولم يعلمه كان عاصيا بتركه العلم والعمل به.
[الشرط] الرابع: العقل
فالمجنون ليس بمكلف إجماعا، ويستحيل تكليفه لأنه لا يعقل الأمر والنهي، ولا يبعد من القائلين تكليف ما لا يطاق جواز تكليفه كالغافل، وعن أحمد رواية بوجوب قضاء الصوم على المجنون. نص عليها في رواية حنبل، وضعفها محققو أصحابه، ومنهم من حملها على غير المجنون المطبق، كمن يفيق أحيانا.
قال ابن القشيري في المرشد: ويجوز أن يقال: المجنون مأمور بشرط الإفاقة كما يوجه على المعدوم بشرط الوجود، ويجيء مثله في الصبي، وسواء فيما ذكرنا الجنون الطارئ بعد البلوغ أو المقارن له. نعم طروء الجنون على الكافر لا يمنع التكليف، ولهذا لو جن المرتد لم يسقط عنه قضاء الصلوات، وإن سقطت عن المجنون المسلم.
قال القاضي أبو يعلى: ومقدار العقل المقتضي للتكليف أن يكون مميزا بين المضار والمنافع، ويصح منه أن يستدل ويستشهد على ما لم يعلم باضطرار، فمن كان هذا وصفه كان عاقلا، وإلا فلا.
قال الصيرفي: ولما كان الناس متفاوتين في تكامل العقول كلف كل واحد على قدر ما يصل إليه عقله، وقد جاء في الحديث: “إن الله تعالى يجازي كل إنسان على قدر عقله”1 وانظر إلى قول عمر لرجل عيي. أشهد أن خالقك وخالق عمرو بن
ـــــــ
1 موضوع: أورده الهروي في الموضوعات الكبرى “1/421” بلفظ “إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد، وما يجزى إلا على قدر عقله”. وأورده الكناني في تنزيه الشريعة “1/203” وابن الجوزي في الموضوعات “1/172”. والسبكي في الأحاديث التي لا أصل لها في كتاب “الأحياء” “1/355” والشوكاني في الفوائد المجموعة “1/1342”.