البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص282

العاص واحد. وقال القاضي الحسين في باب الجمعة من “تعليقه”: جاء عن علي: “علموا الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”1؟ أي لا تنبوا الأفهام عنه، فيكذبون لذلك.
وقيل: إن الثواب والعقاب على العقل.
[الشرط] الخامس: الفهم
والمعنى فيه كما قال صاحب القواعد: إن الإتيان بالفعل على سبيل القصد والامتثال يتوقف على العلم به، وهو ضروري فيمتنع تكليف الغافل كالنائم والناسي لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف، وهذا بناء على امتناع التكليف بالمحال، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان” 2.
وأما إيجاب العبادة على النائم والغافل فلا يدل على الإيجاب حالة النوم والغفلة، لأن الإيجاب بأمر جديد، فإن قيل: فالنائم يضمن ما يتلفه في نومه؟.
قلنا: الخطاب إنما يتعلق به عند استيقاظه، وهو منتف عنه حالة النوم، ولهذا قالوا: لو أتلف الصبي شيئا ضمنه مع أنه ليس بمكلف.
وقال القفال في الأسرار: النهي لا يلاقي الساهي، إذ لا يمكنه التحرز منه، وإنما لزمه بسجود السهو وكفارة الخطأ لكون الفعل محرما في نفسه من حيث إنه محظور عقده إلا أنه في نفسه غير منهي عنه في هذه الحالة.
وقال ابن الصلاح: ما قاله الأصوليون من أن الساهي لا يدخل تحت الخطاب لا ينافيه تحنيث الفقهاء له في اليمين على أحد القولين، فإن تحنيثه ليس من قبيل التكليف بل من خطاب الوضع، وهذا يثبت في حق المكلف وغيره كالصبي. وقال صاحب الذخائر: من زال عقله بالنوم وطبق الوقت، فهو غير مخاطب بتلك الصلاة.
وصار بعض الفقهاء إلى تكليف النائم في بعض الأحكام، فإن عنوا به ضمان المتلفات ونحوه فالمجنون غير مخاطب إجماعا، ويجب عليه ذلك، ثم قال: فإن قيل: لم
ـــــــ
1 الأثر ذكره البخاري تعليقا في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا، برقم “127”.
2 حديث صحيح: رواه ابن ماجه في سننه “1/659” كتاب “الطلاق”، باب “طلاق المكره والناسي”، حديث “2043” عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” .

اكتب تعليقًا