البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص286

أحدهما : يعقل ما يقول: فهذا مخاطب وتصح جميع تصرفاته.
والثاني : لا يعقل ما يقول، وقد زال عقله وذهب حسه بالكلية، فهذا غير مخاطب فلا يصح شيء من تصرفاته، ولا حكم لكلامه، وهذا أدون حالة من المجنون هذا هو اختياري. انتهى كلامه. وهذا هو قضية كلام الإمام في النهاية، وصرح بأنه إذا انتهى إلى حالة النائم والمغمى عليه، فالوجه القطع بإلحاقه بهما. قال: وأبعد من أجراه على الخلاف.
وقال ابن العربي في المحصول الخلاف في الملتج أما المنتشي، فمكلف إجماعا. قلت: ويدل عليه جوابهم عن الآية، وممن أطلق تكليف السكران شيخا المذهب أبو حامد والقفال، ونقلاه عن المذهب، وجزم به القاضي الحسين في فتاويه والبغوي والروياني والشيخ أبو محمد الجويني وأبو الفضل بن عبدان في كتاب الأذان من شرائط الأحكام وجزم به ابن السمعاني في القواطع، ونقله ابن برهان في الأوسط عن الفقهاء من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة، ثم نقل المنع عن المتكلمين منا ومن المعتزلة.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: قال الشافعي: وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم، وكان أبي يعجبه هذا ويذهب إليه. ا هـ. وأطال القاضي أبو بكر في التقريب عدم تكليفه، ثم قال ما حاصله: إنه مكلف لكن بعد السكر بما كان في السكر، وهذا الكلام مجمع مذاهب الفريقين. وصرح الإمام في البرهان بأنه غير مكلف مع تقريره في كتب الفقه مؤاخذته المصرحة بالتكليف، وهو مؤول بما سبق. وقال ابن القشيري: هو غير مكلف بمعنى أنه يمنع توجه الخطاب إليه، أما ثبوت الأحكام في حقه، وتنفيذ بعض أقواله فلا يمنع. قال: وهذا مطرد في تكاليف الناسي في استمرار نسيانه، إذ لو كان ممن فهم الخطاب، لكان متذكرا لا ناسيا، قال: ولعل من قال بتكليفه بناه على جواز تكليف ما لا يطاق. وقال الإبياري: الظاهر عندنا تكليف السكران.
وقال بعض المحققين: التكليف بمعنى إيجاب القضاء عام في الناسي والنائم والسكران، وبمعنى عدم الخطاب حاصل في النائم والناسي. وأما السكران فعند الأصوليين يلحق بهما، وعندنا بخلافه، وظاهر كلام الشيخ أبي حامد أنه مخاطب حالة السكر، وكذلك الماوردي وابن عبدان. ولا شك أن القول بتكليف السكران باعتبار ترتب الأحكام لا إشكال فيه، وهو نوع من خطاب الوضع، وقد يدخلونه في خطاب التكليف كما أدخلته طائفة في حد واحد.

اكتب تعليقًا