البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص287

وأما باعتبار الإثم على ما يصدر منه حال السكر، فإن كان فيه نشاط فواضح، وإن كان طافحا أو مختلطا فمحل نظر. ولعل الفقهاء لا يرون الإثم، أو لعلهم يريدون الطافح، والأصوليون يريدون المختلط، فإن التكليف فيهما تكليف مع الغفلة.
[الشرط] السادس الاختيار.
فيمتنع تكليف الملجأ، وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل مع حضور عقله كمن يلقى من شاهق فهو لا بد له من الوقوع، ولا اختيار له فيه، ولا هو بفاعل له، وإنما هو آلة محضة كالسكين في يد القاطع، وحركة كحركة المرتعش ومثله المضطر.
واتفق أئمتنا على أن المضطر إلى فعل ينسب إليه الفعل الذي اضطر إليه وهو عند المعتزلة فوق الملجأ، وعندنا مثله، كمن شد وثاقه وألقي على شخص فقتله بثقله لكن الفقهاء صرحوا بتكليفه، فقالوا: المضطر لأكل الميتة يجب عليه أكلها على الصحيح، وفي وجه لا يجب. قد يوجه بأصول المعتزلة، فيقال: لا فعل للمضطر ولا اختيار حتى يتعلق به الإيجاب ويكتفي بصورة الداعية، لكن جهة التكليف فيه سيأتي بيانها في المكره.
وكذلك يمتنع تكليف المكره ومن لا يجد مندوحة عن الفعل إلا بالصبر على إيقاع ما أكره به، كمن قال له قادر على ما يتوعد: اقتل زيدا وإلا قتلتك، لا يجد مندوحة عن قتله إلا بتسليم نفسه للهلاك، فإقدامه على قتل زيد ليس كوقوع الذي ألقى من شاهق، وإن اشتركا في عدم التكليف لكن تكليفه هذا أقرب من تكليف الملجأ، ولهذا أبيح له الإقدام على شرب الخمر، وكلمة الكفر.
وأما تأثيم المكره على القتل فليس من حيث إنه مكره وأنه قتل، بل من حيث إنه آثر نفسه على غيره، فهو ذو وجهين: الإكراه ولا إثم من ناحية، وجهة الإيثار ولا إكراه فيها، وهذا لأنك قلت: اقتل زيدا وإلا قتلتك، فمعناه التخيير بين نفسه وبين زيد، فإذا آثر نفسه فقد أثم، لأنه اختيار، وهذا كما قيل في خصال الكفارة: محل التخيير لا وجوب فيه، ومحل الوجوب لا تخيير فيه.
وهذا تحقيق حسن يبين أنه لا يحتاج لاستثناء صورة القتل من قولنا المكره غير مكلف.
وقول الفقهاء: الإكراه يسقط أثر التصرف إلا في صور إنما ذكروه لضبط تلك الصور، لا أنه مستثنى حقيقة. هذا هو الصحيح. واعلم أن ظاهر نص الشافعي يدل

اكتب تعليقًا