على أنه غير مكلف فإنه احتج على إسقاط قوله بقوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} [النحل: 106]. قال الشافعي: وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت أحكام الإكراه عن القول كله، لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو أصغر منه، نقله البيهقي عنه في السنن وعضده بحديث: “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وقد أطلق جماعة من أئمتنا في كتبهم الأصولية أن المكره مكلف بالفعل الذي أكره عليه، ونقلوا الخلاف فيه عن المعتزلة منهم القاضي أبو بكر وإمام الحرمين في التلخيص، والشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، وابن القشيري وابن السمعاني في القواطع، وبناه المعتزلة على أصلهم في وجوب الثواب على الفعل المأمور به عند الامتثال، وكيف يثاب على ما هو مكره عليه إذ لا يجب داعي الشرع؟ وإنما يجيب داعي الإكراه؟ وألحقوا هذا بالأفعال التي لا بد من وقوعها عادة كحصول الشبع عن الأكل والري عن الشرب، فكما يستحيل التكليف بالواجب عقلا وعادة، فكذا يستحيل بفعل المكره.
[المكره يصح تكليفه لفهم الخطاب]:
والصحيح عندنا: أن المكره يصح تكليفه لفهم الخطاب، وأن له اختيارا ما في الإقدام أو الانكفاف، ولا استحالة في تكليفه، وأما كونه متقربا فيرجع إلى نيته وهو غير الكلام في تكليفه. قال ابن القشيري: ونعني بالمكره من هو قادر على الإقدام والإحجام فيحمل مثلا على الصلاة بالإرجاف والخوف وقتل السيف، والذي به رعشة ضرورية لا يوصف بكونه مكرها في رعدته. وقالت المعتزلة: لا يصح تكليف المكره مع وفاقهم على اقتداره، وزادوا علينا: فقالوا: القدرة تتعلق بالضدين، وعلى هذا فلا معنى لتفصيل الإمام الرازي وأتباعه بين الإكراه الملجئ وغيره، ولا لمن جعله قولا ثالثا في المسألة. وكذا قال إمام الحرمين في “التلخيص”: قال المحققون: لا يتحقق الإكراه إلا مع تصور اقتدار المكره، فمن به رعشة ضرورية لا يوصف بكونه مكرها، وإنما المكره المختار لتحريكها، ولا استحالة في تكليف ما يدخل تحت اقتداره واختباره خلافا للقدرية، وبالغوا حتى قالوا: إن القدرة تتعلق بالضدين، والمكره القادر على الفعل قادر على ضده.
وأما أصحابنا فقالوا: إذا قدر على ما أكره عليه لم تتعلق قدرته بتركه، وقد أجمع العلماء قاطبة على توجه النهي على المكره على القتل عن القتل، وهذا عين التكليف.