العدم أن يوجد في العدم فقد زل، فإن إتيانه به في العدم كما يستدعي الإمكان كذلك يستدعي أن يؤمر به على هذا الوجه، والأمر لم يقع كذلك بل على صفة أن الفعل يكون بعد استجماع شرائطه التي فيها الوجوب. وأقرب مثال لذلك: الوكالة فإن تعليقها باطل على الذهب، ولو نجز الوكالة وعلق التصرف على شرط جاز، وهو الآن وكيل وكالة منجزة، ولكنه لا يتصرف إلا على مقتضاها، وهو وجدان الشرط.
الفرقة الثانية: قالت: إنه كان في الأزل آمر من غير مأمور، ثم لما استمر وبقي صار المكلفون بعد دخولهم في الوجود مأمورين بذلك الأمر، وضربوا لذلك مثالا: وهو أن الإنسان إذا قرب موته قبل ولادة ولده، فربما يقول لبعض الناس: إذا أدركت ولدي، فقل له: إن أباك كان يأمرك بتحصيل العلم. فهاهنا قد وجد الآمر، والمأمور معدوم حتى لو بقي ذلك الأمر إلى أوان بلوغ ذلك الصبي لصار مأمورا به.
قال صاحب التنقيحات: وفيه بحث إذ الكلام فيما ليس هناك مأمور ولا من ينهى إليه.
وأجاب بعضهم على أصل الأشاعرة بأن كلام الله إنما هو الخبر، والخبر في الأزل واحد لكنه يختلف إضافته بحسب اختلاف الأوقات، وبحسب ذلك تختلف الألفاظ الدالة عليه كما في العلم فإنه صفة واحدة تختلف باختلاف المعلومات. ولعل الأشاعرة إنما ذهبوا إلى انحصار كلام الله في الخبر. لهذا الغرض والقائلون بجواز أمر المعدوم اختلفوا كما قاله القاضي أبو بكر. فذهب الفقهاء إلى أن الأمر قبل وجود المأمور أمر إنذار وإعلام، وليس بأمر إيجاب على الحقيقة. وذهب المحققون إلى أنه أمر إيجاب على شرط الوجود، فإن ما يتحاشى من الإيجاب يلزم مثله في الإعدام، وكما يتعذر إلزام المعدوم شيئا يتعذر إعلامه.
وحكى إمام الحرمين في التلخيص عن بعض من لا تحقيق له أن الأمر يتعلق بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجود واحد فصاعدا، ثم يتبعه المعدومون على شرط الوجود وسقوط هذا واضح.
قلت: وهو يضاهي قول الفقهاء: يصح الوقف على المعدوم تبعا لموجود كوقفت على ولدي فلان وعلى من سيولد لي. وأما المعتزلة فأنكروا خطاب المعدوم وتوصلوا بزعمهم إلى إبطال الكلام النفسي، وعلى، هذا فهم يقولون: إن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، تختص بالموجودين، وأن من بعدهم تناوله بدليل.
وحكى أبو الخطاب الحنبلي في “الهداية” عن الغزالي وأكثر الحنفية اختيار مذهب