الأزل حتى يأمره وينهاه فيستحيل حصول الأمر لاستحالة الكلام.
ودهش لهذا بعض المتقدمين من أئمتنا القلانسي وغيره حتى ركب مركبا صعبا فأنكر كون كلام الله في الأزل أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا، فخلص بهذا من إلزامهم، لأنه إذا نفى الأمر في الأزل لم تجد المعتزلة سبيلا إلى الطعن على مذهبه في قدم القرآن، لكنه استبعد أمرا وفر منه، فوقع في آخر أبعد منه، لأنه أثبت كلام الله سبحانه قديما في الأزل على غير حقائق الكلام من كونه أمرا ونهيا. وإثبات كلام ليس بأمر ولا نهي ولا خبر. ولا استخبار إلى غير ذلك من أقسام الكلام غير معقول، فكأن مثبته لم يثبت كلاما، وإنما أثبت صفة أخرى غير كلام.
فالحاصل: صعوبة هذه المسألة، فإنه إما أن ينشأ عنها نفي قدم الكلام كالمعتزلة وإما إثبات قدم الكلام، وفيه إثبات قدم الخلائق المأمورين أو إثبات أمر ولا مأمور، وإما إثبات كلام قديم عارض حقائق الكلام، فأما شيخ المذهب الأشعري فلم يستبعد إثبات أمر في الأزل ولا مأمور لأنا نجد من أنفسنا أمر الغائب، وإنما يتوجه عند حضوره.
وأجاب إمام الحرمين بأن الذي نجده من أنفسنا تقدير أمر إذا حضر لا نفس الأمر الحقيقي، وكلام الله وأوامره لا يصلح فيها التقدير.
واستدل شيخنا بأن الفعل المعدوم يأمر به. تقول به: زرني غدا، وبأن الخلق إلى يومنا لم يزالوا مأمورين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال المازري: والحق في هذه المسألة إنما يصفو بعد تصور أحكام التعلقات ومتعلقاتها، وصرف التعيين إلى المتعلقات لا المتعلق، وهو من الغوامض.
وأهل الحق أثبتوا هذه التعلقات أزلية، لأن نفيها عن الباري سبحانه في الأزل محال.
وقال المقترح في تعليقه على البرهان: التقدير هاهنا ليس عائدا إلى الباري سبحانه فإن التقدير حادث ويستحيل قيام الحادث بذاته تعالى، وإنما هو عائد إلى المكلف بمعنى أنه يقدر في نفسه احتمال وجود هذا المعدوم، واحتمال أن لا يوجد، فعلى تقدير وجوده يكون مأمورا قال: وإن صدقنا وحققنا قلنا: الأمر لم يتعلق بالمعدوم وإنما يتعلق بالموجود المتوقع كما أن العلم الأزلي يتعلق بالموجود الذي سيكون، كذلك المطلوب الأزلي متعلق بالتكليف الذي سيكون، فالأمر إذن يتعلق بالموجود، أو يتعلق الطلب بالموجود بالمعدوم، فإن نفي التنجيز يشعر بذلك.