البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص308

تنبيهان
[التنبيه] الأول
هذا الخلاف في أن المأمور متى يصير مأمورا؟ هل من الأزل وإن كان معدوما أو يتوقف على وجوده وشروط أخرى؟ وإن كان أنشأ الأمر متقدما يضاهيه البحث في الطلاق المعلق.
الحنفية يقولون: بالتعليق ينعقد سببه، وعند الصفة تعذر إنشاؤه ويجعل كالنازل ذلك الوقت، وغيرهم من الشافعية والمالكية يقولون: إن التعليق المتقدم هو العلة فيؤثر عند وجود الصفة. هذا هو الصحيح.
ويتخرج عليها أن الطبقة الثانية من الموقوف عليهم يحتمل أن يقال: هو كذلك موقوف عليهم الآن، وإنما يتأخر مصرفه، ويحتمل أن يقال: إنما يصير موقوفا عليه إذا انقرض من قبله ولعل خلاف الحنفية لا يأتي في ذلك. وإذا قلنا: إنه موقوف عليهم في حياة الطبقة الأولى فهل نقول: إنه من أهل الوقف؟ ويحتمل أن لا يقال به، وهو الأظهر، لأن أهل الشيء هو المستقر في استحقاقه. ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فأما أهل النار الذين هم أهلها” 1؟ فكذلك يقول: إن من شرط اسم الوقف الاستحقاق.
[التنبيه] الثاني
ليس بين هذه المسألة وبين مسألة لا حكم للأشياء قبل الشرع تناقض، كما قد يظن، فإنه إن فسر لا حكم بعدم العلم فظاهر وإن فسر بعدم الحكم، فكذلك، لأنا نقول: دال الحكم في الأزل وتعلقه بالمكلف موقوف على وجود بعثة الرسل عليهم السلام فمعنى لا حكم للأشياء قبل الشرع: أي لا تعلق للأمر فلا تناقض.
ـــــــ
1 رواه مسلم “1/172” كتاب الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث “185”. وأصله في البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، حديث “22” كلاهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال الله رسول صلى الله عليه وسلم: “أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال: بخطاياهم – فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فثبوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل …” الحديث.

اكتب تعليقًا