البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج1 ص312

ادعته المعتزلة، فإن هذا الأصل باطل عندنا. وقال الإرشاد: من صور تكليف ما لا يطاق اجتماع الضدين، وإيقاع ما يخرج عن قبيل المقدورات. والصحيح عندنا: أنه جائز عقلا غير مستحيل. ا هـ.
وقد نص الشيخ أبو الحسن في كتاب الوجيز على الجواز، فإنه استدل على القائلين باستحالته بقوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] فقال: ولو كان ذلك محالا لما استقام الابتهال إلى الله بدفعه. ا هـ. يعني لولا جوازه لما استعاذوا منه، إذ الاستعاذة من محال محال، والخصم يتأوله على ما فيه كلفة ومشقة، ثم هي معارضة بقوله تعالى في صدر الآية: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].
وحاول بعض المتأخرين نفي هذا المذهب عن الشيخ أبي الحسن، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر، والغرض منها تعجيز وتبيين حلول العقاب الذي لا محيص عنه، وليس المراد طلبا واقتضاء، ومثل بقوله تعالى: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] فإن ظاهره تعليق الخلاص من العقاب بانسلاك الجمل في سم الخياط، وليس هو على الحقيقة تعليقا، وإنما هو إبداء اليأس من النجاة.
ويدلك على ذلك صدر الآية {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] وهذا ما حكاه إمام الحرمين في الشامل عن والده الشيخ أبي محمد الجويني وارتضاه صاحب المحصول حيث قال في بعض الأجوبة في هذه المسألة: المراد بقولنا: التكليف بالمحال جائز أنه يجوز من الله تعالى الأمر بالمحال لذاته لا بمعنى أنه يتصور الطاعة منا في ذلك، بل بمعنى أنه يجوز من الله تعالى أن يأمر بأمر نعجز عنه قطعا وأنه متى أمرنا به حصل الإعلام بنزول العقاب لكن إمام الحرمين لما حكاه عن والده قال: وفيه نظر، وذلك لم يصح عقلا تسمية الطلب من المحال لزم مثله وتكليف من لا قدرة له على الفعل وإن ساغ تسمية ذلك طلبا ساغ في تكليف المحال.
ويعتضد ذلك بأصل عظيم من أصولنا، وهو أن التكليف الصادر ليس من شرط ثبوته كون المكلف مريدا لوقوع المكلف به، وإنما يستحيل إرادة وقوع المحال، وأما طلبه مع انتفاء إرادة امتناعه فلا استحالة فيه. والثاني: المنع مطلقا، وهو المنقول عن المعتزلة، قال ابن برهان في الأوسط: وساعدهم أبو حامد الغزالي.
قلت: والشيخ أبو حامد الإسفراييني وإمام الحرمين وابن القشيري، ونقله في المرشد عن كثير من أئمتنا ومن الأقدمين أبو بكر الصيرفي في كتاب “الدلائل والإعلام” وهو ظاهر نص الشافعي رضي الله عنه في الأم فإنه قال: يحتمل أن يكون قول النبي

اكتب تعليقًا