صلى الله عليه وسلم: “فأتوا منه ما استطعتم”1 أن عليكم إتيان الأمر فيما استطعتم، لأن الناس إنما كلفوا فيما استطاعوا من الفعل استطاعة شيء؛ لأنه شيء مكلف. وأما النهي فالترك لكل ما أراد تركه منقطع، لأنه ليس بتكليف شيء يحدث، إنما هو شيء متكلف عنه. ا هـ لفظه2.
قال ابن القشيري: وليس مأخذ المانعين من الأصحاب التقبيح العقلي كما صار إليه المعتزلة بل مأخذهم: أن الفعل والترك لا يصحان من العاجز فبطل تقدير الوجوب وعلى هذا إنما كلف أبو لهب بأن يصدق بأن لا يصدق، بل كلف أن يصدق، ولو صدق لكان ممن لا يصدق، لقوله: {سيصلى نارا ذات لهب} [المسد: 3] أي إن لم يؤمن، وخلاف المعلوم مقدور، فلا يمكن تكليف العاجز.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ممتنعا لذاته فلا يجوز، أو لغيره فيجوز، ونقل عن معتزلة بغداد واختاره الآمدي ونقله عن ميل الغزالي وقد رأيت في الإحياء له التصريح بالجواز، وقال خلافا للمعتزلة وحينئذ فقد وجد له الأقوال الثلاثة. ولذلك قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العنوان المختار امتناع التكليف بالمحال، والذي يمنعه المحال بنفسه وإيمان أبي لهب ممكن في نفسه مستحيل لتعلق العلم بعدمه فلا يكون داخلا في ما منعناه، هذا كلامه، وغلط من نقل عنه المنع مطلقا.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه يجوز أن يرد التكليف بالمحال، فإن ورد لا نسميه تكليفا بل علامة نصبها الله على عذاب من كلفه بذلك.
قال ابن برهان: والخلاف على هذا لفظي، وعلى قول المعتزلة معنوي، وقال في الوجيز: إذا قلنا بالجواز فاختلفوا، فمنهم من منع تسميته تكليفا وإليه مال الأستاذ، والأكثرون من أصحابنا على تسميته تكليفا.
[وقوع التكلف بالمحال]:
وأما الوقوع السمعي، فاختلفوا فيه، والجمهور على عدم وقوعه، وقيل: إن
ـــــــ
1 رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث “7288”، ورواه مسلم “2/975” كتاب الحج، حديث “1337” عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا”. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو قتل: نعم، لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه” .
2 انظر الأم “5/143”.